القسم الرياضي : محمد غفغوف
مرة أخرى يجد الوداد الفاسي نفسه في نفق مظلم صنعته أيدي من يفترض أنهم حماة الفريق. التعاقد مع مراد فلاح لم يكن حدثًا تقنيًا عاديًا، بل فصلًا جديدًا من حكاية الارتباك التي باتت تطبع مسار الفريق. مدرب ثالث في ثلث البطولة فقط، في مؤشر واضح على غياب الاستقرار، وعلى أن القرارات داخل النادي تُتخذ تحت الضغط أكثر مما تُبنى على رؤية.
رحيل هشام اللويسي قُدّم في قالب “أسباب شخصية”، لكن الواقع أكثر تعقيدًا من بلاغات التهدئة. ما يجري داخل البيت الوفاوي هو صراع صامت بين توجهات مختلفة، كل منها يدّعي مصلحة الفريق، بينما الحقيقة أن المدرب غالبًا ما يكون الحلقة الأضعف في معادلة غير متوازنة، يُضحّى به كلما تعقّدت الحسابات أو تداخلت المصالح.
وشهادة للتاريخ، فإن الرئيس الحالي لا يمكن إنكار رغبته الواضحة في تحقيق الصعود. منذ تحمّله المسؤولية وهو يبحث عن موارد قارة تخرج الفريق من دائرة الهشاشة المالية، فطرق أبواب مجلس جماعة فاس، ومجلس جهة فاس مكناس، والعمالة، ونجح في تأمين دعم إجمالي يقارب مليار سنتيم، وهو مجهود يُحسب له ويستحق التنويه. غير أن هذه الإرادة تصطدم بواقع أكثر تعقيدًا، حيث يجد نفسه محاصرًا بمحيط غير مساعد، داخل المكتب أولًا، ووسط جمهور منقسم ثانيًا، ما يجعل أي مشروع رياضي عرضة للتعطيل قبل أن يرى النور.

فريق يغيّر مدربيه بهذا الإيقاع لا يمكنه الادعاء بامتلاك مشروع واضح. فحتى التعاقد مع مراد فلاح جاء في سياق ضبابي، تحكمه الاستعجالية وتؤطره ضغوط من أطراف لا تشتغل بمنطق الاحتراف، بل بمنطق النفوذ والصوت العالي. وهنا يفقد القرار التقني قيمته، ويتحول التسيير إلى سلسلة من ردود الأفعال بدل أن يكون مسارًا مدروسًا.
المقلق أكثر أن المكتب المسير بات يتفاعل مع فئة محدودة محسوبة على الجمهور، فئة تفرض حضورها بالصخب والضغط، لا بالاقتراح والمسؤولية. ومع الوقت، يتحول هذا الخضوع إلى قاعدة، فيُختزل جمهور الوداد الفاسي في أصوات قليلة، ويُغيب جمهور التاريخ والذاكرة الذي ظل وفيًا للفريق في أحلك الظروف.
في ظل هذا الواقع، يبقى الوداد الفاسي عالقًا بين نوايا حسنة معزولة، وصراعات داخلية، وضغوط خارجية، وغياب انسجام حقيقي في اتخاذ القرار. الفريق أكبر من كل هذه الحسابات الصغيرة، وأثمن من أن يُدار بعقلية الترقيع أو التوازنات الهشة. إن لم تُسترجع وحدة القرار، ويُحمَ كل طرف مسؤوليته، فإن الحديث عن الصعود سيبقى مجرد شعار، فيما يستمر النزيف بصمت، ويضيع المزيد من الوقت في مسار لا يشبه تاريخ الوداد الفاسي ولا طموحات محبيه.

