بقلم : محمد غفغوف
أخيرًا، قررت السلطات المحلية بمدينة فاس أن تقول كفى. كفى من الحملات الطبية الموسمية، كفى من حفلات الختان الاستعراضية، كفى من “العمل الخيري” الذي لا يظهر إلا حين تقترب صناديق الاقتراع.. خطوة تأخرت كثيرًا، لكنها تبقى ضرورية في مواجهة ما يمكن تسميته دون تردد: حملات انتخابية مسعورة مقنّعة بلباس الإحسان.
البرلمانيون والمنتخبون الذين غابوا سنوات طويلة عن هموم فاس وساكنتها، عن أحيائها المهمشة، عن شبابها العاطل، عن بناها التحتية المنهكة، عادوا فجأة… ولكن ليس ببرامج، ولا بحصيلة، ولا باعتذار سياسي صريح، بل عادوا بقفف، وصور، وابتسامات مصطنعة، ووعود مستهلكة.
هؤلاء لم يتذكروا فاس حين كانت تختنق بأزماتها الاجتماعية، ولم نرهم حين كان المواطن الفاسي يصرخ من غلاء المعيشة، ولا حين تراجعت الخدمات، ولا حين ضُربت كرامة المواطن في أكثر من مرفق. عادوا فقط لأن ساعة الحساب الانتخابي اقتربت.
الأخطر في هذا المشهد ليس فقط سلوك بعض البرلمانيين والمنتخبين، بل تورط جمعيات مدنية باهتة، بلا هوية ولا مشروع، وضعت نفسها عن طيب خاطر في خدمة هؤلاء، لتتحول من فاعل مدني مفترض إلى أداة انتخابية رخيصة، تُستعمل ثم تُرمى.
جمعيات نسيت أن العمل المدني رسالة، وأنه يجب أن يكون مستقلًا، نزيهًا، بعيدًا عن الحسابات الضيقة. جمعيات قبلت أن تكون “شناقة الانتخابات”، تُغطي الفشل السياسي، وتُبيض الغياب الطويل، مقابل فتات دعم أو وعد عابر.
وإذا كانت السلطات قد منعت اليوم الحملات الطبية وحفلات الختان، فإننا ننتظر بنفس الجرأة منع قفف الذل، تلك القفف التي لا تحارب الفقر، بل تستثمر فيه، ولا تحفظ كرامة المواطن، بل تشتري صوته بثمن بخس.
فاس لا تحتاج إلى صدقات موسمية، ولا إلى إحسان انتخابي، ولا إلى صور تُلتقط على عجل. فاس تحتاج إلى سياسات عمومية حقيقية، إلى منتخبين يشتغلون طوال الولاية لا في أسابيع الحملة، إلى محاسبة سياسية صارمة.
أما العبث بالديمقراطية، والمتاجرة بالفقر، واستغلال حاجة الناس، فلن ينتج إلا مزيدًا من العزوف، ومزيدًا من الغضب الصامت، ومزيدًا من القطيعة بين المواطن والسياسة.
فاس تستحق أفضل من هذا العبث…
وتستحق أن تُحترم، لا أن تُستعمل.

