بقلم : محمد غفغوف
ما تزال الرياضة في المغرب تُدار بعقلية الدعم لا بعقلية الاستثمار، وكأنها عبء اجتماعي يجب التخفيف منه لا فرصة اقتصادية ينبغي تطويرها. في الوقت الذي تحولت فيه الرياضة عالميًا إلى صناعة تخلق الثروة وتوفر فرص الشغل وتخدم صورة الدول، ما زلنا نحاصرها في منطق الإعانات والنتائج الظرفية والفرجة الموسمية.
المشكل ليس في ضعف الإمكانيات، بل في غياب رؤية تعتبر الرياضة قطاعًا إنتاجيًا متكاملًا. فلا صناعة بدون حكامة، ولا حكامة بدون كفاءات. أغلب المؤسسات الرياضية تُسير بمنطق الجمعيات، لا بمنطق المقاولة، وبعقلية الولاءات لا بعقلية الكفاءة، وهو ما يجعل الحديث عن الاحتراف مجرد شعار بلا مضمون.
فالدولة وحدها لا يمكنها بناء صناعة رياضية، والاستثمار الخاص لن يأتي في ظل غموض تشريعي، وغياب الشفافية، وانعدام الاستقرار المؤسساتي. المستثمر يبحث عن الوضوح والحماية والعائد، لا عن المغامرة في قطاع تُدار أرقامه خارج المنطق الاقتصادي. وهنا تتحول الرياضة إلى مجال طارد للاستثمار بدل أن تكون جاذبة له.
والرياضة ليست لاعبًا وحكمًا ومدربًا فقط، بل منظومة مهن متكاملة، من الإعلام والتسويق وحقوق البث، إلى وكلاء اللاعبين، وتحليل الأداء، وصناعة التجهيزات، والأمن الخاص الرياضي. تجاهل هذه السلسلة يعني قتل الصناعة قبل ولادتها، وترك آلاف الممارسين في الهشاشة أو خارج القانون.
ولا صناعة بدون تكوين حقيقي يربط الرياضة بالجامعة، بالبحث العلمي، بالتكنولوجيا والبيانات. الرياضة الحديثة تُدار بالأرقام، ونحن ما زلنا نُدار بالانطباع والاجتهاد الفردي. أما الإعلام الرياضي، فإذا ظل أسير الإثارة والاصطفاف، فلن يكون شريكًا في البناء، بل جزءًا من الأزمة.
تطوير الصناعة الرياضية ليس حلمًا مؤجلًا، بل خيارًا استراتيجيًا يحتاج إلى قرار شجاع يخرج الرياضة من منطق الإعانة إلى منطق الإنتاج، ومن الهواية إلى الاقتصاد، ومن الخطاب إلى الفعل. غير ذلك، سنظل نكرر نفس الأسئلة، وننتظر نتائج مختلفة بعقلية لم تتغير.

