بقلم : محمد غفغوف
في زمنٍ أصبح فيه الصراخ بديلاً عن الفعل، و”البوز” غايةً تُلبس ثوب السياسة، يبرز محمد ياسر جوهر كاستثناء هادئ داخل المشهد الفاسي، رجل لا يطارد الأضواء ولا يساوم على قناعاته، يشتغل بصمتٍ يشبه المدن العريقة حين تحفظ كرامتها بعيدًا عن الاستعراض. ابن فاس، الذي لم يتعامل يومًا مع السياسة كغنيمة، بل كمسؤولية ثقيلة وأمانة أخلاقية، اختار أن يكون في قلب الفعل لا في واجهة الكلام.
وينتمي محمد ياسر جوهر إلى عائلة سياسية مناضلة، تشبّع منذ صباه بثقافة الالتزام والعمل الجماعي، كانت بدايته الطبيعية داخل الفضاء المدني الجاد، من خلال جمعية الشعلة للتربية والثقافة، المدرسة التي خرّجت أجيالًا على قيم المواطنة والوعي النقدي. هناك تشكّلت ملامح شخصيته الأولى: الانضباط، الجدية، والإيمان بأن التغيير مسار طويل لا قفزة عابرة.

ومن العمل الجمعوي، انتقل بسلاسة إلى الشبيبة الاتحادية، قبل أن يستقر داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حيث لم يكن انخراطه شكليًا أو ظرفيًا، بل امتدادًا طبيعيًا لمسار نضالي واضح، مبني على الاقتناع لا على الحسابات الضيقة.
إلى جانب مساره السياسي، يُعد محمد ياسر جوهر فاعلًا اقتصاديًا بارزًا في مجال السياحة، أحد القطاعات الحيوية لمدينة فاس. لم يكن حضوره في هذا المجال عابرًا، بل توّج بتوليه الرئاسة المنتدبة للمجلس الجهوي للسياحة بفاس، حيث راكم تجربة ميدانية عميقة، وجعل من السياحة رافعة للتنمية لا مجرد أرقام موسمية. رجل يعرف أن إنقاذ فاس اقتصاديًا يمر عبر فهم خصوصيتها التاريخية والثقافية، لا عبر وصفات جاهزة.
اليوم، يشغل محمد ياسر جوهر رئاسة مقاطعة فاس المدينة، إلى جانب عضويته في مجلس جماعة فاس، وهي مواقع لم يتعامل معها كامتيازات، بل كفضاءات يومية للاشتغال الجاد. حضوره في هذه المسؤوليات يتسم بالواقعية، القرب من الملفات، والابتعاد عن الشعبوية.
كما يتحمل مسؤولية الكتابة الإقليمية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بفاس، وهي محطة تنظيمية تعرف، إلى حدود اللحظة، انطلاقة موفقة تعكس نفسًا جديدًا داخل الحزب بالمدينة العلمية. اشتغال هادئ، إعادة ترتيب البيت الداخلي، وضخ دماء تنظيمية استعدادًا لاسترجاع الدور التاريخي للحزب، والبصم على حضور قوي ومسؤول في مختلف الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

ما يميز محمد ياسر جوهر ليس فقط تعدد مساراته، بل مناعته الأخلاقية. رجل لا يخضع لأي شكل من أشكال الابتزاز، لا ترهبه الأصوات التي “تغرد خارج السرب”، ولا يغريه التصفيق السريع. يرفض منطق “البوز”، ويؤمن أن العمل الحقيقي لا يحتاج كاميرا دائمة ولا عناوين مثيرة.
سريرته نظيفة، ونضاله واضح، واختياره للصمت ليس ضعفًا بل وعيٌ بأن فاس تحتاج إلى من يخدمها لا من يستثمر فيها سياسيًا.
محمد ياسر جوهر ليس سياسيًا عابرًا في مدينة عريقة، بل ابن فاس البار الذي فهم مبكرًا أن الوفاء للمدينة يكون بالفعل لا بالشعارات. نموذج لفاعل سياسي واقتصادي يشتغل بعقل بارد وقلب صادق، ويترك للنتائج أن تتكلم. وفي زمن الارتباك، تبقى مثل هذه الأسماء ضرورية… لأنها تذكّرنا أن السياسة يمكن أن تكون نظيفة، وأن فاس ما زالت قادرة على إنجاب رجال دولة من طراز هادئ وصلب في آن واحد.

