المغرب 360 : محمد غفغوف
في تصريح صحفي لافت، وجّه الدكتور خالد البقالي، الأمين العام للحزب الديمقراطي الوطني، نقدًا صريحًا وحادًا لواقع العمل الحزبي بالمغرب، معتبرًا أن عددًا كبيرًا من الأحزاب السياسية انحرف عن رسالته الأصلية، وأصبح منشغلًا بمنطق “الكراسي” ومناصب المسؤولية عبر الانتخابات، على حساب الأدوار الأساسية التي وُجد من أجلها العمل الحزبي، وفي مقدمتها التأطير اليومي للمواطنين والدفاع عن قضاياهم الحقيقية.
هذا التصريح لا يمكن قراءته كخرجة معزولة أو موقف ظرفي، بل يندرج ضمن سياق عام يتسم بتراجع الثقة في الفعل السياسي والحزبي، واتساع الهوة بين المواطن والأحزاب، في ظل مشهد سياسي باتت تطغى عليه الحسابات الانتخابية الضيقة، وتغيب فيه الرؤية المجتمعية بعيدة المدى.

لقد تأسس العمل الحزبي، في جوهره، على فكرة التنظيم والتأطير والترافع، أي بناء وعي سياسي جماعي، وتأطير المواطنين في قضايا الشأن العام، والدفاع عن مصالحهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، داخل المؤسسات وخارجها. غير أن الممارسة السياسية في السنوات الأخيرة كشفت، كما يشير الدكتور البقالي، عن تحوّل عدد من الأحزاب إلى ما يشبه “آلات انتخابية موسمية”، لا يظهر صوتها إلا قبيل الاستحقاقات، ولا يتحرك تنظيمها إلا عندما تقترب لحظة توزيع التزكيات والمقاعد.
هذا التحول الخطير أفقد الأحزاب دورها التربوي والنضالي، وحوّل العلاقة مع المواطن من علاقة تأطير ومواكبة إلى علاقة استهلاكية ظرفية، قوامها الوعود والشعارات، سرعان ما تتبخر بعد إعلان النتائج. وهو ما ساهم بشكل مباشر في عزوف فئات واسعة من المجتمع، خصوصًا الشباب، عن الانخراط السياسي، بعدما لم تعد ترى في الأحزاب أداة للتغيير أو قناة للدفاع عن تطلعاتها.
ويؤكد الأمين العام للحزب الديمقراطي الوطني أن الدفاع عن قضايا المواطنين لا يجب أن يُختزل في الخطاب الانتخابي، بل ينبغي أن يكون ممارسة يومية، عبر الحضور الميداني، والتواصل المستمر، والترافع الجاد داخل المجالس المنتخبة، وفي الفضاء العمومي، ومن خلال مبادرات ملموسة تلامس هموم الناس، من شغل وتعليم وصحة وكرامة وعدالة مجالية.
كما أن غياب التأطير السياسي الحقيقي أفرغ العمل الحزبي من محتواه القيمي والفكري، وجعل الانتماء الحزبي في كثير من الحالات مرتبطًا بالمصلحة الشخصية أو الطموح الفردي، لا بالاقتناع بالمشروع المجتمعي أو المرجعية السياسية. وهو ما أفرز نخبًا انتخابية ضعيفة التأهيل، عاجزة عن تقديم إضافة نوعية في تدبير الشأن العام، سواء على المستوى المحلي أو الوطني.

تصريح خالد البقالي يطرح، في العمق، سؤال الإصلاح الحزبي من الداخل: كيف يمكن استعادة ثقة المواطن؟ وكيف يمكن إعادة الاعتبار للفعل السياسي كخدمة عمومية ونضال مجتمعي، لا كوسيلة للترقي الاجتماعي أو الريع الانتخابي؟ وهي أسئلة تضع الأحزاب أمام مسؤوليتها التاريخية في مراجعة أساليب اشتغالها، وتجديد خطابها، وربط السياسة بالفعل اليومي لا بالمواعيد الانتخابية فقط.
وفي هذا السياق، يدعو الحزب الديمقراطي الوطني، بحسب أمينه العام، إلى إعادة بناء العمل الحزبي على أسس القرب من المواطن، والإنصات الحقيقي لانشغالاته، وتكوين الأطر، وتأهيل المنتخبين، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما ينسجم مع روح الدستور وانتظارات المجتمع المغربي.
إن الرهان اليوم لم يعد فقط على الفوز بالمقاعد، بل على استعادة المعنى الأخلاقي والسياسي للعمل الحزبي. فالديمقراطية لا تُقاس بعدد الأحزاب أو كثرة الانتخابات، بل بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على تمثيل المواطنين بصدق، والدفاع عن قضاياهم بجرأة، وجعل السياسة أداة لبناء الثقة، لا سببًا إضافيًا في تعميق الإحباط.
بهذا المعنى، يشكّل تصريح الدكتور خالد البقالي دعوة مفتوحة لنقاش وطني صريح حول مستقبل الأحزاب السياسية بالمغرب، وحول الحاجة الملحّة إلى مصالحة حقيقية بين السياسة والمجتمع، قبل أن يتحول العزوف إلى قطيعة نهائية تهدد جوهر الفعل الديمقراطي نفسه.

