المغرب 360 : محمد غفغوف
مع اقتراب الانتخابات التشريعية، يعود إلى الواجهة واحد من أكثر أمراض الحياة الحزبية المغربية استفحالًا: الترحال السياسي. نفس الوجوه التي اعتادها الرأي العام تحت يافطات حزبية مختلفة تبدأ في تغيير مواقعها، لا بدافع اختلاف فكري أو مراجعة سياسية، بل بحثًا عن موقع انتخابي أكثر أمانًا يضمن الاستمرار داخل البرلمان.
في هذا السياق، يأتي الخبر المتداول حول قرار إدريس السنتيسي، رئيس الفريق الحركي بمجلس النواب وعضو المكتب السياسي لحزب الحركة الشعبية، خوض الانتخابات المقبلة باسم حزب الاستقلال بدائرة سلا المدينة، ورغم أن الأمر يبدو في ظاهره مجرد انتقال فردي، إلا أنه في عمقه يعكس منطقًا أصبح بنيويًا في السياسة المغربية، حيث لم يعد الانتماء الحزبي سوى أداة تقنية للوصول إلى المقعد البرلماني.
السنتيسي لم يكن مناضلًا عابرًا في الحركة الشعبية، بل أحد أبرز قياداتها البرلمانية، لكن التوترات التي عرفها الحزب بعد مؤتمره الأخير، والصراع المفتوح مع أمينه العام محمد أوزين، جعلت الاستمرار داخله أقل جاذبية من البحث عن مظلة حزبية أقوى انتخابيًا. وفي المقابل، يبدو حزب الاستقلال منخرطًا في استراتيجية واضحة تقوم على استقطاب وجوه جاهزة تمتلك رصيدًا انتخابيًا وتجربة برلمانية، خصوصًا في الدوائر الحضرية الثقيلة مثل سلا.
هكذا تتحول الانتخابات إلى ما يشبه سوق انتقالات سياسية، تتقاطع فيها مصالح الأحزاب الباحثة عن الأسماء القادرة على الفوز، مع مصالح برلمانيين يبحثون عن الأحزاب القادرة على تأمين الفوز. والنتيجة واحدة: تآكل المعنى السياسي للانتماء، وضرب مصداقية البرامج، وإفراغ التصويت من محتواه الحقيقي.
المواطن الذي صوّت بالأمس لنائب باسم حزب معيّن، يجد نفسه اليوم أمام نفس الشخص وهو يحمل لونًا سياسيًا مختلفًا، دون أي تفسير سياسي مقنع. وهذا ما يرسّخ الإحساس بأن السياسة لم تعد مجالًا للاختيارات الكبرى، بل مجرد لعبة تموقع وتدبير مصالح فردية.
خبر السنتيسي ليس استثناءً، بل عنوان لمرحلة انتخابية كاملة، حيث تُقاس قيمة السياسي بقدرته على الفوز لا بوضوح مواقفه، وحيث تصبح الأحزاب محطات عبور لا فضاءات نضال. وفي مناخ كهذا، لا يُستغرب أن تتراجع الثقة، وأن تتسع الهوة بين المجتمع والسياسة، لأن الترحال حين يصبح قاعدة، يفقد العمل الحزبي روحه، وتفقد الديمقراطية أحد أعمدتها الأساسية.

