اسبانيا / بقلم :د محمد كمال
القهوة ليست مجرد شراب يُذهب النوم ويفيق الوسنان، أو يسيل له لعاب عشاقه، بل هي سرٌّ من أسرار الحياة المفعمة بجمالها وأنسها، وعالمٌ يضجُّ بمعانيها وأسرارها.
حكايتي مع القهوة – وإن لم أعشها إلا متأخرًا بعد الخامسة والخمسين – لكنها تضرب بجذورها في أعماق طفولتي، حين كنتُ أرقبُ جدتي لأمي -تغمدها الله بواسع رحمته- وهي تمارس طقوسها الحانية مع البن؛ تدلله كأنه ابنها، بداية من شرائه أخضر يافعاً، ثم تودعه محمصتها الخاصة، وتطحنه بيديها على ذوقها الرفيع، وتؤثرني برشفةٍ من فنجانها، وكأنها تمنحني نفخة من وهج روحها أو قبساً من نور أُنسها.
من الجفاء إلى العشق
لقد حال بيني وبين القهوة زمناً طويلاً “خلافٌ جسدي”؛ فمعدتي لم تكن تقوى على قسوتها، حتى اهتديتُ بفضل الله ﷻ ثم بنصح الأطباء إلى ما جعل معدتي أكثر جسارةً وتقبلاً. وهنا، وجدتُني بين عشية وضحاها أرتمي في أحضان هذا المشروب، لا مدفوعاً بظَمأٍ إليه، بل وفاءً لتلك الأيام الخوالي في صحبة جدتي، واسترجاعاً للحظات كنت أشاركها فيها طحن القهوة بعد تحميصها.
فلسفة الفنجان ومقامات الشرب
كلما تقدم بي العمر، سبرتُ أغوار القهوة ووقعتُ على دفائن أسرارها. يقول عشاق القهوة: “القهوة كالورد، لا تُقدم للنفس بل تُهدى”؛ فالفنجان الذي تحتسيه وحدك معناه أنك في كهفٍ معزول عن الحياة، أما جمالها الحقيقي فيتجلى في “أوقات تقديمها” التي رسمت لنا خارطة للمشاعر:
فقهوة الصباح وقت إعلان الانتعاش وبداية الأمل.
وقهوة القراءة والكتابة فذلك حين تتمازج رائحة البن مع عبق الحبر وصفحات الورق.
وأما قهوة السفر فهي التي نطلب بها الإفاقة ونحن نطوي المسافات.
ولقهوة الصفاء قدرة ساحرة على أن تجمع الأصدقاء الأوفياء في لحظة لا تُحسب من الزمن.
وإذا كانت قهوة العصر؛ فآهٍ ثم آهٍ من قهوة العصر! فهي لخالص اللذة وبديع الفكرة.
وهناك قهوة الوصل تلك التي تعقب الخصام فتزول بها الخلافات ويسقط عند أعتابها كلُّ عتاب.
ثم قهوة الشوق، وما أدراك ما قهوة الشوق احتفاءً بعودة الحبيب بعد غياب، وملء العين بقرب بعد بعاد.
وبضدها تتميز الأشياء، فهناك قهوة العزاء رفيقة الصبر والمواساة في لحظات الفقد.
وأما قهوة الحاجة تلك التي لا تُشرب عند “أهل البادية” حتى تُقضى حوائجهم، تجسيداً للمروءة والكرم.
وتبقى “قهوة الندمان” هي أحلاها مذاقاً وأقربها إلى الوجدان؛ فهي اللحظة التي تأبى فيها القهوة أن تسجن في غرف مغلقة، بل تنطلق لتكون لحظات جمالٍ تؤنس النفس وتبهج الخاطر، وتملأ الفضاء عبيراً من الألفة والمودة.

