بقلم : محمد غفغوف
تندرج خرجة إدريس لشكر الأخيرة ضمن سياق سياسي خاص، يتسم بتقاطع التحولات الداخلية مع إعادة تشكيل موازين القوى إقليمياً ودولياً، وهو ما يمنح لمداخلته بعداً يتجاوز اللحظة التنظيمية إلى محاولة تقديم قراءة سياسية شاملة لموقع الحزب داخل المرحلة المقبلة. فالكلمة لم تكن مجرد خطاب تعبوي موجه للمناضلين، بقدر ما حملت رسائل متعددة المستويات، تعكس سعياً واضحاً لإعادة تموقع الاتحاد الاشتراكي داخل المشهد السياسي الوطني كفاعل يمتلك تصوراً متكاملاً حول الدولة، والمؤسسات، والمجتمع.
أول ما يلفت في خطاب لشكر هو اشتغاله على منطق المرحلة بدل منطق المناسبة، إذ حرص على ربط وضعية الحزب بالتحولات الكبرى التي يعرفها المغرب، سواء على مستوى القضية الوطنية أو الدينامية الاقتصادية أو التحولات الاجتماعية. هذا الربط يعكس محاولة واعية لإخراج النقاش الحزبي من دائرته التنظيمية الضيقة، ووضعه داخل إطار وطني أوسع، حيث يصبح السؤال المركزي ليس فقط حول موقع الاتحاد، بل حول طبيعة المشروع السياسي القادر على مواكبة مغرب ما بعد مرحلة الانتظار.
في هذا الإطار، بدا لشكر حريصاً على تقديم الاتحاد الاشتراكي كحزب لا يشتغل بمنطق القطيعة أو المعارضة السلبية، بل بمنطق النقد المسؤول والتراكم الإصلاحي. فالخطاب اعترف بما تحقق من منجزات، لكنه في الآن ذاته نبّه إلى حدود النموذج القائم، خاصة في ما يتعلق بإشكالات الحكامة، وتراجع دور الوساطة السياسية، واتساع المسافة بين المواطن ومراكز القرار. وهي إشارات تحمل في عمقها رسالة مزدوجة: نقد هادئ للواقع، وإعلان ضمني عن استعداد الحزب لتقديم عرض بديل.
اللافت أيضاً أن خرجة لشكر لم تنزلق نحو الخطاب الشعبوي أو لغة المواجهة، بل حافظت على نبرة تحليلية تميل إلى التشخيص أكثر من التهييج، وهو ما يمنحها طابعاً سياسياً ناضجاً ينسجم مع موقع كاتب أول يقود حزباً له تاريخ في إدارة التوازنات الوطنية. فحين يتحدث عن القضية الوطنية، يربطها مباشرة بالتحولات الدولية وبالرهانات الاقتصادية، مقدماً تصوراً يرى في التنمية امتداداً للسيادة، وفي الاستثمار رافعة سياسية قبل أن يكون مجرد خيار تقني.
أما على المستوى التنظيمي، فإن رسائل لشكر حملت بعداً استراتيجياً واضحاً، إذ حرص على إبراز الدينامية الداخلية للحزب باعتبارها مؤشراً على قدرته على إعادة البناء بعد سنوات من التراجع. غير أن هذا البناء لا يُقدَّم بوصفه مجرد استعادة للماضي، بل كتمهيد لمرحلة جديدة قوامها الانتقال من منطق الدفاع إلى منطق العرض، ومن خطاب الذاكرة إلى خطاب المشروع.
في العمق، يمكن قراءة خرجة لشكر كتمرين سياسي لإعادة تعريف وظيفة الحزب داخل النظام السياسي المغربي: ليس كقوة احتجاجية، ولا كفاعل تقني داخل المؤسسات، بل كوسيط تاريخي بين الدولة والمجتمع، يمتلك خطاباً سيادياً، واقتصادياً، واجتماعياً متماسكاً. وهي محاولة لإعادة الاعتبار للفعل الحزبي بوصفه مجالاً لصناعة المعنى السياسي، لا مجرد آلية انتخابية ظرفية.
بهذا المعنى، فإن خطاب إدريس لشكر لم يكن موجهاً فقط للاتحاديين، بل كان رسالة مفتوحة إلى النخبة السياسية عموماً، مفادها أن المرحلة المقبلة لن تُحسم فقط بالأرقام والخرائط الانتخابية، بل بالقدرة على تقديم سردية سياسية مقنعة حول مستقبل المغرب، ودور المؤسسات، وحدود الدولة، ومكانة المواطن داخل المعادلة الوطنية الجديدة.

