سعيد الحارثي مدريد
قبل سنوات، قالها جلالة الملك محمد السادس إن “المغرب يسير بسرعتين”، في إشارة إلى الفوارق التنموية والاجتماعية التي تتطلب معالجة عميقة وشجاعة. واليوم، يبدو أن العبارة نفسها يمكن إسقاطها على واقع الجالية المغربية في إسبانيا، حيث تسير بدورها بسرعتين واضحتين، بل وأحيانًا متناقضتين.
هناك جالية صنعت لنفسها مكانة محترمة في المجتمع الإسباني: أطر عليا، أساتذة جامعيون، أطباء، مهندسون، رجال ونساء أعمال، باحثون، وفاعلون مدنيون يشتغلون في صمت ويحققون نجاحات حقيقية تعكس صورة المغرب المشرق في الخارج. هؤلاء استثمروا في التعليم، في الاندماج الإيجابي، وفي بناء جسور التعاون الاقتصادي والثقافي، بعيدًا عن الأضواء والضجيج.
وفي المقابل، هناك وجه آخر لا يقل حضورًا، لكنه يستهلك طاقة الجالية في صراعات هامشية. فبدل أن تنصب الجهود على قضايا جوهرية كتحسين الخدمات القنصلية، دعم الشباب، تأطير الأجيال الجديدة، أو الدفاع عن صورة المغرب في الإعلام الإسباني، نجد بعض الفاعلين غارقين في صراعات شخصية، وحسابات ضيقة، وتسابق محموم لالتقاط صورة مع مسؤول هنا أو حضور نشاط بروتوكولي هناك.
تحوّلت بعض الفضاءات الجمعوية إلى ساحات تنافس غير صحي، حيث يطغى منطق الزعامة الفردية على العمل الجماعي، وتغيب الرؤية الاستراتيجية لصالح البحث عن الاعتراف اللحظي. المفارقة أن هذا السلوك يُضعف صوت الجالية بدل أن يقويه، ويجعلها تبدو مشتتة وغير قادرة على بلورة خطاب موحد في القضايا الكبرى التي تمس مصالحها.
إن الجالية المغربية في إسبانيا تملك من الطاقات والكفاءات ما يؤهلها لتكون قوة اقتراح وتأثير حقيقية، سواء في الدفاع عن مصالح المغرب أو في تعزيز اندماج المغاربة في المجتمع الإسباني. لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا انتقلت من منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات، ومن ثقافة الصورة إلى ثقافة الإنجاز، ومن الحسابات الضيقة إلى الرؤية الجماعية.
النقد هنا ليس تجريحًا، بل دعوة صريحة إلى وقفة تأمل. فالمغرب اليوم يتحرك بثقة على الساحة الدولية، ويعزز موقعه كشريك استراتيجي في محيطه الإقليمي. ومن غير المقبول أن تبقى بعض مكونات جاليته في الخارج أسيرة صراعات صغيرة لا تليق بحجم التحولات التي يعيشها الوطن.
الجالية التي تسير بسرعة الكفاءة والوعي والمسؤولية هي التي تصنع الفرق. أما الجالية التي تستنزف وقتها في التنافس على القرب الشكلي من المسؤولين، فإنها تعيد إنتاج الهشاشة نفسها التي ننتقدها في الداخل.
لقد حان الوقت لتوحيد الصفوف، وبناء تمثيلية ناضجة، ورفع مستوى النقاش. فالجالية ليست صورة جماعية في مناسبة رسمية، بل هي قوة بشرية واقتصادية وثقافية قادرة على التأثير… إذا اختارت أن تسير بسرعة واحدة، نحو هدف واحد

