فاس : محمد غفغوف
في مدن كثيرة من المغرب، يتحول شهر رمضان إلى موسم ثقافي وروحي بامتياز، حيث الساحات تمتلئ بالعروض الفنية، والمسارح تحتضن الندوات، والفضاءات العمومية تنبض بالموسيقى والتراث والرياضة، لكن في فاس، عاصمة العلم والعرفان، يبدو المشهد مختلفًا تمامًا: صمت ثقافي يكاد يكون مطبقًا، وكأن المدينة دخلت في سبات غير مفهوم.
رمضان في فاس هذا العام مرّ باهتًا، بلا مهرجانات كبرى، بلا ليالٍ أندلسية، بلا أمسيات للسماع والمديح أو عروض للملحون، وهي الفنون التي شكلت لعقود جزءًا من هوية المدينة وذاكرتها الثقافية، فمدينة اشتهرت عبر التاريخ بأنها منارة للعلم والفن والروحانية، تبدو اليوم وكأنها تخلت عن أحد أهم أدوارها: احتضان الثقافة وإشعاعها.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين المصلحة الثقافية بجماعة فاس؟
وأين مسؤولوها من هذا الفراغ الذي أصبح واضحًا للعيان؟
في الوقت الذي بادرت فيه جماعات ترابية كبرى، من بينها الدار البيضاء، إلى تنظيم برامج إشعاعية كبرى خلال شهر رمضان، تجمع بين الثقافة والفنون والرياضة والتراث، اختارت جماعة فاس ـ أو هكذا يبدو ـ أن تكتفي بدور المتفرج… برامج متنوعة، منصات فنية، أمسيات موسيقية، فضاءات للفرجة واللقاء… كلها مبادرات تؤكد أن الثقافة ليست ترفيها أو من الكماليات، بل جزء من الحياة اليومية للمدينة.

في فاس، الأمر مختلف، فلا أثر لبرمجة رمضانية قوية، ولا رؤية ثقافية واضحة، ولا حتى الحد الأدنى من المبادرات التي تعكس مكانة المدينة التاريخية، وكأن الثقافة أصبحت آخر اهتمامات مجلس جماعي غارق في صراعاته الداخلية وصخبه السياسي.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار المجهودات التي قامت بها بعض مقاطعات فاس، والتي حاولت ـ بإمكانيات محدودة ـ تنظيم أنشطة ثقافية وفنية متنوعة خلال هذا الشهر الفضيل. مبادرات تستحق التنويه، لكنها تبقى محدودة الأثر إذا لم تكن جزءًا من رؤية جماعية شاملة تقودها الجماعة باعتبارها الفاعل الرئيسي في تدبير الشأن الثقافي المحلي.

المؤلم في كل هذا أن فاس ليست مدينة عادية.
إنها مدينة الموسيقى الأندلسية، ومدينة السماع والمديح، ومدينة الملحون. مدينة احتضنت عبر تاريخها مدارس فنية وروحية صنعت جزءًا كبيرًا من الهوية الثقافية المغربية. فكيف يمكن أن تمر ليالي رمضان فيها دون أن يتردد صدى هذه الفنون في ساحاتها وفضاءاتها؟
الجواب المؤسف أن المدينة تعيش اليوم ركودًا ثقافيًا واضحًا في ظل مجلس جماعي يبدو أنه حطم الرقم القياسي في الصراعات والصخب بين مكوناته، بينما بقيت الثقافة آخر ضحايا هذا العبث السياسي.
فاس لا تحتاج إلى كثير من الإمكانيات لتستعيد إشعاعها، فقط تحتاج إلى إرادة ثقافية حقيقية، وإلى مسؤولين يؤمنون بأن المدينة التي لا تحمي روحها الثقافية تفقد شيئًا فشيئًا جزءًا من هويتها.
والسؤال الذي سيظل معلقًا في سماء المدينة إلى أن يأتي الجواب:
من أعاد فاس إلى هذا الصمت الثقافي… ومن سيعيد إليها صوتها؟

