فاس : محمد غفغوف
في مشهد يختزل حجم التهميش الذي تعيشه العاصمة العلمية، وفي ظل صمت مريب للجهات المنتخبة والمؤسسات المفترض فيها رعاية الشأن الثقافي والفني، خرجت مبادرة مستقلة لتكسر جدار التجاهل وتعلن أن فاس، رغم كل شيء، لا تزال قادرة على الحياة.
فبعد طول انتظار، ووسط فراغ ثقافي وفني يكاد يتحول إلى سمة قارة، قررت إدارة المهرجان الوطني للفيلم الوثائقي الرياضي في نسخته الأولى، الذي يشرف عليه ملتقى حوار في الرياضة، تنظيم لقاء تواصلي خلال الأيام القليلة القادمة للإعلان الرسمي عن هذا الحدث الفني غير المسبوق، والذي يراهن على إعادة الاعتبار للذاكرة الرياضية الوطنية.
هذه المبادرة لا تأتي في سياق دعم مؤسساتي أو رؤية ثقافية واضحة، بل جاءت – بكل أسف – كرد فعل مباشر على سياسة التجاهل الممنهج التي تنتهجها الجهات المسؤولة عن تدبير الشأن الثقافي والفني بمدينة فاس، وعلى رأسها مجلس المدينة ومن يمثلها برلمانياً، والذين اختاروا الاصطفاف في خانة الغياب بدل الفعل، وفي مربع الصمت بدل المبادرة.
إن ما يحدث اليوم في فاس ليس مجرد تقصير عابر، بل هو سقوط مدوٍ في تدبير مدينة بتاريخ حضاري وثقافي عريق. مدينة كانت على الدوام منارة للعلم والفن والفكر، أصبحت رهينة حسابات ضيقة، وبرامج مناسباتية باهتة، وغياب رؤية استراتيجية تعيد لها إشعاعها الطبيعي.
وفي الوقت الذي تنتظر فيه الساكنة برامج جادة تليق باسم العاصمة العلمية، يصر المسؤولون على إدارة ظهورهم لكل المبادرات الجادة، وكأن الثقافة ترف، وكأن الفن عبء، وكأن الذاكرة الجماعية لا تستحق الاستثمار.
ورغم هذا الواقع القاتم، يصر القائمون على هذا المهرجان على المضي قدماً بإمكانياتهم الخاصة، في رسالة واضحة مفادها أن الإرادة الصادقة أقوى من الإهمال، وأن الفعل الحقيقي لا ينتظر إذناً من أحد.
وسيكون اللقاء التواصلي المرتقب أيضاً مناسبة لتكريم عدد من الفعاليات الفنية والثقافية والرياضية التي قدمت الكثير للعاصمة العلمية، في التفاتة رمزية لكنها عميقة الدلالة، تعيد الاعتبار لقيم الاعتراف والعرفان، في زمن جاحد لا يعترف إلا بالضجيج الفارغ.
إن تنظيم هذا المهرجان ليس مجرد حدث فني، بل هو فعل مقاومة ثقافية في وجه التهميش، وصرخة في وجه اللامبالاة، ودعوة مفتوحة لكل الغيورين على هذه المدينة للانخراط في معركة استعادة مكانة فاس التي تستحق.
فهل تتحرك الضمائر المتجمدة داخل دواليب القرار المحلي؟
أم أن فاس ستظل تدفع ثمن مسؤولين لا يسمعون… ولا يرون… ولا يفعلون؟

