المغرب360 : محمد غفغوف
لم تعد “الخرجة” التي قادها ما بات يُعرف بـ”الحركة التصحيحية” داخل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب مجرد تعبير عن اختلاف تنظيمي عابر، بل تحولت إلى عنوان بارز لصراع يتجاوز جدران النقابة، ويعكس ارتدادات حسابات سياسية تتغذى من اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية.
ففي مشهد غير مألوف داخل أحد أعرق التنظيمات النقابية المرتبطة تاريخيًا بحزب الاستقلال، خرج عدد من أعضاء الفريق البرلماني للنقابة بمجلس المستشارين، عبر شريط مصور، لإعلان اصطفافهم مع هذه الحركة، موجهين انتقادات مباشرة للكاتب العام للنقابة النعم ميارة، ومطالبين بعقد مؤتمر استثنائي لإعادة ترتيب البيت الداخلي.
هذه التطورات، التي تسارعت وتيرتها في الأيام الأخيرة، أعادت إلى الواجهة سؤال التداخل بين النقابي والسياسي، خاصة في ظل حديث متزايد عن صراع نفوذ داخل دوائر حزب الاستقلال، وعن محاولات لإعادة تشكيل موازين القوة داخل إحدى أبرز واجهاته النقابية.

وفي خضم هذا الجدل، برزت مواقف رافضة لما تصفه بـ”الحملة الممنهجة”، من بينها موقف إدريس أبلهاض، عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام للشغالين بالمغرب وكاتبه الإقليمي بفاس، الذي اختار الرد بنبرة حازمة ولكن محسوبة، واضعًا ما يجري في سياقه السياسي الأوسع.
وأكد أبلهاض أن ما يتم الترويج له “لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق العام الذي يسبق الاستحقاقات التشريعية، حيث تشتد محاولات إعادة ترتيب المواقع والنفوذ داخل عدد من الهيئات الموازية”، معتبرًا أن استهداف النعم ميارة لا يقوم على تقييم موضوعي بقدر ما يعكس “تصفية حسابات ضيقة ومحاولات لإضعاف موقعه داخل التنظيم”.
وشدد المتحدث ذاته على أن الاتحاد العام للشغالين بالمغرب “تنظيم عريق له مؤسساته وقوانينه”، وأن أي خلاف يجب أن يُدبر داخل هياكله الشرعية، محذرًا من “الانزلاق نحو منطق التشهير الإعلامي أو توظيف تسريبات تخدم أجندات معروفة”.
وفي قراءة أكثر عمقًا، اعتبر أبلهاض أن توقيت بروز ما يسمى بـ”الحركة التصحيحية” يطرح أكثر من علامة استفهام، خاصة عندما يتقاطع مع حسابات انتخابية، مضيفًا أن “الشرعية داخل الاتحاد لا تُمنح عبر الفيديوهات أو البيانات الظرفية، بل عبر المؤتمرات والمؤسسات”.
كما لم يُخفِ تخوفه من تحويل النقابة إلى ساحة صراع غير معلن، قائلاً إن “رفض النقد غير وارد، لكن المرفوض هو توظيف التنظيم في معارك بالوكالة لا تخدم قضايا الشغيلة، بل تعيد إنتاج منطق التحكم في مفاصل العمل النقابي”.
وبينما تتسع دائرة الاصطفاف داخل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، يزداد الغموض حول مآلات هذا الصراع، الذي لم يعد محصورًا في تدبير الاختلاف التنظيمي، بل أصبح مفتوحًا على احتمالات إعادة رسم التوازنات داخل البيت الاستقلالي نفسه.
في آخر المطاف، يبدو أن النقابة تقف اليوم عند مفترق طرق دقيق: إما الاحتكام إلى مؤسساتها للحفاظ على وحدتها التاريخية، أو الانجرار إلى منطق الصراعات الظرفية التي قد تكلفها الكثير من رصيدها النضالي ومصداقيتها وسط الشغيلة.

