فاس : محمد غفغوف
ضمن التحولات الحضرية المتسارعة التي تشهدها مدينة فاس، لم يعد إصلاح منظومة النقل العمومي خياراً مؤجلاً، بل أضحى ضرورة ملحّة تفرضها رهانات التنمية المجالية ومتطلبات العيش الحضري الكريم، وفي هذا الإطار، يندرج إعلان جماعة فاس عن إطلاق الخطين الجديدين 208 و210 كخطوة عملية تعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة هندسة شبكة النقل الحضري، وفق مقاربة ترتكز على النجاعة، الإنصاف المجالي، والاستجابة الدقيقة لحاجيات الساكنة.
الخط 208 يأتي ليؤسس لمسار وظيفي متكامل، يربط بين اللويزات بمقاطعة جنان الورد ومستشفى الغساني بضهر المهراز، عابراً نقاطاً حضرية ذات حمولة سوسيو-اقتصادية قوية، فمروره عبر محطات محورية مثل مسجد للا عائشة، طريق ويسلان والسوق الأسبوعي، ثم اختراقه للنسيج الصناعي بسيدي إبراهيم، وصولاً إلى محيط جامعة سيدي محمد بن عبد الله، يمنحه بعداً استراتيجياً يتجاوز مجرد النقل إلى كونه رافعة لتيسير الولوج إلى فضاءات الإنتاج والتكوين والعلاج. وبذلك، يشكل هذا الخط قناة حيوية لفئات عريضة من العمال والموظفين والطلبة، فضلاً عن كونه جسراً مباشراً نحو المؤسسات الاستشفائية بضهر المهراز.
أما الخط 210، فيتخذ طابعاً تكاملياً يعزز الربط العرضي بين أقطاب حضرية متباعدة، من خلال وصل محطة زواغة بجامعة سيدي محمد بن عبد الله عبر مسار يضم 16 محطة، تخترق أحياءً ذات كثافة ديمغرافية مرتفعة، من قبيل حي الضحى، العنبرة، واد بنسودة وحي الوفاق، وصولاً إلى عين السمن وشارع محمد السلاوي. هذا الامتداد يمنح الخط قيمة مضافة، خصوصاً لفائدة الطلبة، حيث يختزل مسافات التنقل ويحد من تعقيداته، موفراً بديلاً مباشراً ومنتظماً ينسجم مع إكراهات الزمن الجامعي.
وعلى مستوى الكلفة، حافظت جماعة فاس على بعد اجتماعي واضح في تسعير هذه الخدمة، من خلال تحديد ثمن الرحلة في 3.50 دراهم، وإقرار اشتراك شهري بقيمة 90 درهماً للخطين معاً لفائدة التلاميذ والطلبة. هذا الاختيار لا يندرج فقط ضمن منطق التسعير، بل يعكس توجهاً يروم تعزيز الولوج المنصف إلى خدمة النقل، وتقليص العبء المالي المرتبط بالتنقل اليومي، بما يدعم الاستقرار الاجتماعي ويكرس مبدأ تكافؤ الفرص في الوصول إلى الدراسة والعمل والخدمات الأساسية.
إن إطلاق هذين الخطين لا يمثل مجرد توسيع تقني لشبكة النقل، بل يندرج ضمن رؤية أشمل لإعادة تنظيم المجال الحضري على أسس أكثر توازناً واندماجاً، حيث يصبح النقل العمومي أداة فعالة لتحقيق الترابط المجالي وتحسين جودة الحياة داخل العاصمة العلمية.

