بقلم : محمد غفغوف
في كل مرة تسقط فيها عمارة بمدينة فاس، لا يسقط الإسمنت وحده… يسقط معه جزء من كرامة مدينة كانت يومًا عاصمة للعلم والروح والجمال.
وفي كل جنازة لضحايا الإهمال، ترتفع إلى السماء أسئلة موجعة أكبر من أصوات البكاء:
أين كان الذين يتحدثون باسم الساكنة؟
أين كان المنتخبون؟
أين كان البرلمانيون الذين يستعد بعضهم اليوم للعودة إلينا بابتسامات انتخابية جديدة وكأن شيئًا لم يقع؟
أي خطاب سيقوله هؤلاء للناس وهم يعبرون فوق ركام عين النقبي؟
بأي وجه سيطلبون أصوات سكان مدينة تنزف تحت وطأة العشوائية، والانهيار، والتهميش، والصمت؟
وما الذي سيضيفه المرشحون الجدد غير الشعارات القديمة المغلفة بكلمات “التنمية” و”الغيرة على المدينة” و”خدمة الساكنة”؟
لقد سئم الناس المسرح الرديء… سئموا دموع التماسيح التي تظهر فقط أمام عدسات الكاميرات، ثم تختفي لحظة انتهاء التصوير.
فاس ليست فقيرة في تاريخها… لكنها أصبحت فقيرة في من يدافع عنها بصدق.
مدينة تُركت لسنوات طويلة بين أيدي من مارسوا السياسة كمشروع اغتناء، لا كمشروع خدمة.
مدينة فقدت الكثير من ملامحها، حتى بدا وكأن البعض تعمد اغتيال روحها قطعة قطعة…
طرقات مهترئة، أحياء مهمشة، اختناق عمراني، بنايات تهدد الأرواح، وشباب يهاجر من اليأس قبل أن يهاجر من الوطن.
أما الصمت… فهو الجريمة الأخرى.
الصمت الثقيل لـ مجلس جماعة فاس أمام هذا النزيف المستمر.
كأن المدينة لا تعنيهم، وكأن أرواح الضحايا مجرد خبر عابر في نشرات المساء.
أي مسؤولية سياسية وأخلاقية تبقى حين يصبح الصمت أسهل من المواجهة؟
وأي احترام للمواطن حين تتحول المؤسسات إلى جدران باردة لا تسمع أنين الناس؟
لكِ الله يا فاس…
يا مدينة أفقدك البعض عذريتك العمرانية والسياسية والأخلاقية.
يا مدينة تُستنزف كل يوم باسم التدبير، بينما الحقيقة أن من تعاقبوا على تسيير شأنك لم يتركوا سوى مزيد من الخيبات.
التاريخ لا يرحم.
والمدن أيضًا لا تنسى من خانها.

