فاس : متابعة
في واحدة من أقوى الرسائل السياسية التي وجهتها الأحزاب المغربية مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، اختار حزب التقدم والاشتراكية أن يضع حداً لأي لبس بشأن حدود الانضباط التنظيمي، بعدما قرر تجميد عضوية محمد الخطاب، نائب عمدة مدينة فاس وعضو لجنته المركزية، على خلفية ما اعتبره دعماً سياسياً لمرشح حزب منافس.
القرار، الذي صدر عن المكتب السياسي للحزب عقب تقييمه للوضع التنظيمي بإقليم فاس، لم يكن مجرد إجراء تأديبي في حق أحد قيادييه، بل يحمل في طياته رسالة سياسية مزدوجة؛ الأولى موجهة إلى قواعد الحزب ومنتخبيه، ومفادها أن الالتزام بالخط السياسي للتنظيم ليس خياراً شخصياً، بل واجب تنظيمي ملزم، والثانية إلى الساحة الحزبية الوطنية بأن مرحلة التساهل مع حالات “ازدواجية الولاء” قد شارفت على نهايتها.
وتشير المعطيات إلى أن الملف تفجر عقب مشاركة محمد الخطاب في لقاءات وأنشطة سياسية داعمة لعزيز اللبار، مرشح حزب الأصالة والمعاصرة بالدائرة الجنوبية لفاس، وهو ما اعتبرته قيادة حزب “الكتاب” تجاوزاً صريحاً لقرارات مؤسساته وانحيازاً لخصم سياسي في قلب معركة انتخابية تستعد لها الأحزاب بكل أدواتها التنظيمية والسياسية.
ولم يكتف المكتب السياسي بإعلان تجميد العضوية، بل قرر إحالة الملف على اللجنة الوطنية للمراقبة السياسية والتحكيم، مع الإبقاء على جميع الخيارات التنظيمية والقانونية مفتوحة، في مؤشر على أن الحزب يتعامل مع القضية باعتبارها اختباراً حقيقياً لهيبة مؤسساته وقدرتها على فرض احترام قراراتها.
ويكشف هذا التطور عن تحول لافت في سلوك الأحزاب المغربية، التي أصبحت أكثر ميلاً إلى فرض الانضباط الداخلي في مواجهة ظاهرة التنقلات السياسية والتحالفات غير المعلنة، بعدما أفرزت السنوات الأخيرة حالات متعددة من التداخل بين الولاءات الحزبية والمصالح الانتخابية، وهو ما أضعف في كثير من الأحيان صورة التنظيمات السياسية أمام الرأي العام.
وتكتسي هذه القضية أهمية خاصة بالنظر إلى موقع صاحبها داخل المشهد السياسي المحلي، فهو لا يشغل فقط منصب نائب عمدة مدينة فاس، بل يعد أيضاً عضواً في اللجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية، الأمر الذي منح للقرار بعداً سياسياً يتجاوز الإطار المحلي ليصبح مؤشراً على طبيعة المرحلة التي تدخلها الأحزاب مع اقتراب موعد الاقتراع.
ويأتي هذا القرار في ظرفية تتسم باحتدام التنافس بين مختلف القوى السياسية، حيث لم تعد معركة الانتخابات تقتصر على استمالة الناخبين، بل أصبحت أيضاً معركة لضبط الصفوف الداخلية، ومنع أي اصطفافات موازية أو تفاهمات غير معلنة قد تربك الحسابات الانتخابية أو تضعف الموقف الرسمي للأحزاب.
وبقدر ما يعكس القرار حرص حزب التقدم والاشتراكية على حماية وحدته التنظيمية، فإنه يفتح في المقابل نقاشاً أوسع حول مستقبل الانضباط الحزبي بالمغرب، ومدى قدرة الأحزاب على التوفيق بين حرية المبادرة السياسية لمنتخبيها وضرورة احترام الالتزام الجماعي الذي يشكل أحد أسس العمل الحزبي.
وبكل المؤشرات، فإن رسالة حزب “الكتاب” كانت واضحة: زمن التساهل مع مظاهر الخروج عن القرار الحزبي يضيق، وكل مسؤول يختار الاصطفاف خارج مؤسسات تنظيمه سيكون مطالباً بتحمل التبعات التنظيمية والسياسية لذلك، خاصة في مرحلة تعتبرها الأحزاب مفصلية في إعادة رسم موازين القوى استعداداً لانتخابات 2026.

