تطوان : المغرب360
بقلم : الدكتور احمد درداري رئيس المركز الدولي لرصد الأزمات واستشراف السياسات
في ظل حركية البيئة السياسية الداخلية والخارجية لإسبانيا وظهور عوامل ضغط دولية خنقت الجارة الشمالية. وبعد محاولة البحث عن حلول لضريبة مواقفها تجاه قضايا مرتبطة بحرب أوكرانيا وحرب ايران وقضية فلسطين، لم تجد أمامها غير المسك بالهجرة كحلقة تربطها بالاتحاد الأوربي وتعيد من خلالها إثارة مشكلة الحدود وإعادة تدوير تاريخ الاحتلال وشرعنته في مواجهة المغرب مالك الجغرافيا.
وهنا يجب التمييز بين الهجرة غير النظامية والاحتلال غير المبرر كموضوعين مختلفين من حيث الطبيعة لكنهما يتقاطعان في كونهما سببي كثير من المشاكل.
وانطلاقا من كون السياسة الخارجية المغربية تقوم على الوضوح والندية، فهي ترفض ربط الأجندات الانتخابية الضيقة إلى مساومة العلاقات بين البلدين، وتحريك الخلافات لبناء حكومات عنصرية ومتطرفة تعيد حصيلة التعاون إلى الصفر.
فالرسالة المغربية الموجهة لمدريد ثابتة المعنى وقوية الدلالة ورافضة بالبتة لأية محاولات لتصريف الأزمات الداخلية الإسبانية على حساب الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وغض الطرف في المقابل عن مشاكل إسبانيا الجوهرية المتمثلة في تناقض مواقفها الدولية وفقدانها للتوازن امام التحولات الدولية المعاصرة، إضافة إلى سوء تدبيرها لتراكمات الاستعمار الذي اصبح عبئا ثقيلا عليها، حيث ان تنامي وعي الشعوب يلاحق جرائمها المختلفة، وستحاسب عن ظلمها ونهبها لثروات الشعوب واحتلالها لمناطق مختلفة من العالم.
فالمغرب خبير في الحروب الهادئة، بالمواقف الحازمة، فيغلب بدون حرب ويقنع بدون ضجيج، ويؤكد على أن استقرار العلاقات وحسن الجوار مع إسبانيا لـيس خيارا مؤقتا، بل هو معادلة تخزين قواعد التعامل يتم تصريفها عبر مسار استراتيجي، ويعتبر كل فعل ينتج التزاما، يعاد طرحه عند كل حوار او شراكة للتصحيح او للإنهاء او للاستغلال، وهذا ما يفرض على اسبانيا النأي بالنفس عن تصفية الحسابات السياسية الداخلية على حساب إلهاء الرأي العام الإسباني عن التعب الذي يعرفة دوران العملية الديمقراطية ومشاكل اسبانيا الداخلية والدولية.
فاسبانيا تعلم علم اليقين بان سبتة ومليلية والجزر أراضي مغربية وان الاحتلال غير المبرر له بداية، ولا يمكن لعاقل ان يشكك في استخدام البصمة الوراثية لانساب المولود لأبيه بطريقة علمية.
وعليه فان وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج طرحت معادلة استراتيجية دقيقة مفادها أن القرب الجغرافي قدر لا يمكن تغييره، بينما تبقى طبيعة العلاقات متغيرة ورهينة بالإرادة السياسية. وأن التاريخ لا يغير الجغرافيا، والجغرافيا تفرض حتمية التعايش، وأن التقارب يحتاج إلى النضج والتعقل ليكون رافعة للأمن والازدهار المشترك، ويستوجب شجاعة سياسية ورؤية بعيدة المدى تتجاوز الحسابات الضيقة.
بينما غلق منافذ الثقة يؤدي إلى أزمات صعبة على ادراك العقل السياسي الإسباني. وان المغرب باب يوصد في وجه الخطر بالنسبة لإسبانيا واوربا بصفة عامة، وعليه لا يمكن إهمال دور المغرب وترك العلاقات رهينةً للمزاج السياسي وظرفية تستغل في الحملات الانتخابية، والانتهاء إلى افراغ الشراكة التي تخدم مصالح البلدين، واعطاء الفرص لضرب المنطقة وتعريضها لهزات غير محسوبة النتائج. بل على صناع القرار الإسباني الارتقاء بمستوى التعاون الثنائي إلى مصاف التحديات الكبرى التي تواجه ضفتي المتوسط، بعيدا عن التوظيف السيئ لملفات الجوار الحساسة. وقبول الحقيقة بنضج دبلوماسي وتعقل سياسي والحفاظ على الأمن بالاحترام المتبادل والمصالح العليا للبلدين، والبحث عن حلول للمشاكل البينية بالحوار والتفاهم، هو السبيل لتحويل الصعوبات إلى مشاريع تعاون، وغلق باب التداول للصور السلبية الضاربة عرض الحائط ثمار التعاون الاقتصادي والأمني بين البلدين.
إن إسبانيا مطالبة بان تعلن عن كون المغرب اصبح دولة قوية، وان تدقق حساباتها الخارجية وشراكاتها الدولية، وعليها ان تختار بعناية الشراكات والتعاون الدوليين، وان تميز بين دولة لا تستقيم معها مصالحها، وبين دول اخرى تضيف اليها ارصدة بدون مشاكل. وان اللعب على الحبال بدعوى المصلحة العليا قد تجر اسبانيا إلى اختناق يكون سببه التهور و المجازفة في التصرفات الخارجية.
ان عالم اليوم يعيش أزمات معقدة وتخلق
مخاوف غير متوقعة النتائج، وتدخل الدول في شؤون دول أخرى بشطط وتعسف هو مفتاح الفتن والحروب غير المعلنة.
ويعد التعاون والتقارب وفق محددات واضحة أساسيين لتدبير المصالح الثنائية والتبادل المبني على عناصر التوافق.
وقد أولت المملكة المغربية للعلاقات مع إسبانيا العناية انطلاقا من الإعلان المشترك الصادر في 07 أبريل 2022 عقب اللقاء الذي جمع بين جلالة الملك محمد السادس ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز.
ان إسبانيا اليوم أمامها شيئين يجب الانتباه لهما بشكل كبير وهما:
أولا: يجب عليها تجنب توجيه الاتهامات إلى المغرب بدون حجج وأدلة، فذلك يبين ضعف العقلية الإسبانية وكلاسيكية أسطوانة تفريغ التفوق.
ثانيا: يجب عليها تجنب الثقة في تفوقها العسكري وعرض عضلات القوة، لأن مفهوم القوة العسكرية تغير وأخذ مسارا استعصى حتى على الدول العسكرية الاولى في العالم، كما لا يمكن التفكير مطلقا في تعريض الشعب الإسباني لخطر الدخول في حروب غير نافعة ولا هي مضمونة النتائج.
فالجهات المعنية في إسبانيا عليها ان تراجع توجيه الاتهامات للمغرب في غياب معطيات وحجج، كما ان أمامها فرص مراجعة اوراقها معه.
وعليها ايضا التعاطي مع الهجرة وفق القوانين الدولية، والكف عن رفض ترحيل المهاجرين غير النظاميين للمغرب، وعدم إبقاء القاصرين بعيدا عن أسرهم، وان اعطاء الدروس للمغرب غير مجدي، وان سلوكات بعض الفاعلين الإسبان تضر بزخم العلاقات، سواء في الميدانين التشريعي والقضائي أو ما يصدر عن النخبة السياسية والإعلامية الإسبانية من تقييمات غير واقعية وبعيدة عن التصورات الصحيحة في معالجة قضايا ثنائية وإقليمية مع إسبانيا.
كما أن إفساد الطابع الإيجابي للمرحلة عبر إظهار الجاهزية للميل نحو الوقوف في صف خصوم المغرب لا يشجع على التعاون الثابت والمتتابع، وان الميل المسموم والمعبر عن الانتقام بطريقة لا تراعي المرحلة الجديدة في ملف الصحراء المغربية يضر بالعلاقات مع إسبانيا، ويمكن ان يزيد من متاعب إرجاع العلاقات كما كانت منذ اتفاق 07 إبريل 2022.
فالمغرب يرفض المزايدة باسم الشعب الإسباني وإبرام صفقات على حساب حقوقه ومصالحه، كما يرفض أن يكون موضوعا لتصفية حسابات انتخابية وبيع المواقف الخارجية لتغذية التنافس بين الاحزاب، وإذكاء الحقد والعنصرية التي سيكون لها عواقب وخيمة على المواطن الإسباني أينما حل وعلى سمعة إسبانيا داخل المجتمع الدولي.

