المغرب360 : محمد غفغوف
ليس من الإنصاف اختزال نتائج الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في عدد المقاعد التي حصل عليها فقط، كما ليس من الموضوعية تجاهل دلالات هذا التراجع. فالحزب حصل في الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 على 26 مقعداً بمجلس النواب، مقابل 34 مقعداً في انتخابات 2021، وهي نتيجة تستوجب قراءة هادئة ومسؤولة داخل مؤسسات الحزب، بعيداً عن القراءات الانفعالية ومحاولات تصفية الحسابات.
واللافت في هذه الانتخابات أن نسبة المشاركة الوطنية عرفت تراجعاً كبيراً، إذ انتقلت من 50.86% سنة 2021 إلى 38.08% سنة 2026، وهو معطى لا يمكن فصله عن قراءة الخريطة الانتخابية الجديدة، وعن حجم العزوف الذي طبع هذه المحطة.
ومن هنا، فإن تقييم حصيلة الاتحاد الاشتراكي ينبغي أن يتم ضمن المشهد العام، لا بمعزل عنه. فالحزب لم يخرج من السباق الانتخابي، ولم يفقد حضوره داخل المؤسسة التشريعية، بل حافظ على تمثيلية برلمانية بـ26 نائباً، وهو رصيد سياسي وتنظيمي يمكن البناء عليه خلال المرحلة المقبلة.
ولا يمكن كذلك تجاهل الظروف السياسية والتنظيمية التي سبقت الاستحقاق الانتخابي. فقد واجه الحزب، إلى جانب المنافسة الانتخابية الطبيعية، حملات انتقاد وهجوم من بعض الأصوات المحسوبة على محيطه، تحولت في حالات معينة إلى استهداف لقيادته وصورته السياسية، وهي ممارسات ساهمت في خلق نقاش داخلي وخارجي لم يكن دائماً في مصلحة الحزب.
لكن المسؤولية السياسية تقتضي أيضاً عدم تحويل هذه العوامل إلى شماعة دائمة. فالحزب، باعتباره مؤسسة سياسية عريقة، مطالب بأن يقرأ نقاط القوة والضعف معاً، وأن يفتح نقاشاً تنظيمياً هادئاً حول تدبير الحملات الانتخابية، واختيار المرشحين، وآليات التواصل، ومدى جاهزية الهياكل المحلية والجهوية، خصوصاً أن بعض القيادات التنظيمية الجديدة لم تتوفر بعد على التجربة الكافية في تدبير الاستحقاقات الانتخابية الكبرى.
وفي هذا الإطار، فإن موقف الكاتب الأول للحزب، إدريس لشكر، الذي أعلن التعامل مع النتائج داخل المؤسسات الحزبية وإخضاعها للتقييم، يمثل مدخلاً مؤسساتياً مطلوباً، لأن الأحزاب الجادة لا تبني مستقبلها بردود الفعل، وإنما بالنقد الداخلي والمسؤولية الجماعية.
الدفاع عن الاتحاد الاشتراكي اليوم لا يعني إنكار تراجع نتائجه، كما لا يعني تحميل القيادة وحدها مسؤولية كل ما وقع. الحزب مؤسسة لها هياكل ومناضلون ومرشحون ومسؤولون ترابيون، والنجاح أو الإخفاق الانتخابي هو في نهاية المطاف حصيلة عمل جماعي.
والأهم أن الاتحاد الاشتراكي يدخل المرحلة المقبلة بتمثيلية برلمانية تضم كفاءات وتجارب سياسية متعددة، يمكنها أن تجعل من المؤسسة التشريعية فضاءً حقيقياً للترافع عن قضايا المواطنين والدفاع عن العدالة الاجتماعية والمجالية، وعن الحريات والمؤسسات والديمقراطية، وعن مصالح مختلف جهات المملكة.
لقد انتهت الانتخابات، لكن وظيفة الأحزاب الديمقراطية لم تنته. والصندوق الانتخابي لا ينبغي أن يكون نهاية العلاقة مع المواطن، بل بداية مرحلة جديدة من المساءلة والترافع والعمل المؤسساتي.
أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بما راكمه من تاريخ وتجربة وحضور في الحياة السياسية المغربية، فليس حزباً تختصره نتيجة انتخابية واحدة. أمامه الآن فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وتجديد أدوات العمل، والاستفادة من أخطاء المرحلة، والإنصات أكثر للمجتمع، واستثمار كفاءاته البرلمانية والتنظيمية.
ومن حق قيادة الحزب، وعلى رأسها إدريس لشكر، أن تُقيّم المرحلة وأن تدافع عن حصيلة الحزب، كما أن من حق المناضلين أن يناقشوا أداءهم بكل صراحة. لكن الفرق بين النقد الذي يبني والنقد الذي يهدم هو أن الأول يبحث عن المستقبل، بينما يكتفي الثاني بتصفية حسابات الماضي.
26 مقعداً ليست نهاية الاتحاد الاشتراكي، كما أنها ليست محطة للاحتفال بالنتيجة. إنها مسؤولية سياسية جديدة أمام حزب عريق مطالب بأن يحول حضوره البرلماني إلى فعل مؤسساتي، وأن يجعل من المرحلة المقبلة مناسبة لاستعادة الثقة وتطوير التنظيم وتقوية الترافع عن الوطن والمواطنين.

