المغرب360 : محمد غفغوف
لم يكن الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الجديدة مجرد خطاب بروتوكولي لافتتاح دورة برلمانية، بل كان أقرب إلى خارطة طريق سياسية واقتصادية ومؤسساتية لمرحلة جديدة، عنوانها الأبرز: الانتقال من منطق الإنجاز إلى منطق النجاعة والنتائج.
فالملك لم يكتفِ بالتنويه بما حققه المغرب خلال السنوات الماضية، وإنما وضع الحكومة والبرلمان والإدارة والجهات والقطاع الخاص أمام مسؤوليات أكثر وضوحاً، في ظرفية وصفها بالاستثنائية والحافلة بالفرص التي قد لا تتكرر.
والرسالة الأساسية واضحة: المغرب يملك اليوم أوراشاً كبرى وموقعاً دولياً متقدماً، لكن المرحلة المقبلة ستقاس بقدرته على تحويل هذه المكتسبات إلى تنمية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
ولذلك جاء التشديد الملكي على العدالة الاجتماعية والمجالية، وعلى تحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار، ومعالجة المشاكل الحقيقية لكل منطقة على حدة. وهي رسالة تحمل دلالة سياسية عميقة، لأن التنمية لم تعد تقاس فقط بما يُنجز على المستوى الوطني، وإنما بما يصل فعلياً إلى المدن والقرى والأقاليم والجهات.
ومن أقوى مضامين الخطاب، ذلك المتعلق بالجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري. فالاستمرار في تأخير نقل الاختصاصات والموارد البشرية والمالية من المركز إلى الجهات والأقاليم لم يعد مقبولاً، خصوصاً أن عدداً من المشاريع والبرامج التنموية أصبح يصطدم بتعقيدات إدارية واختصاصات غير واضحة.
وهنا تبرز مسؤولية الحكومة المقبلة في تحويل الجهوية من ورش دستوري إلى آلية فعلية لصناعة القرار الترابي. فلا معنى لجهوية متقدمة إذا ظلت القرارات الكبرى والموارد الأساسية محكومة بمنطق المركز.
والأمر نفسه ينطبق على المنتخبين. فالخطاب الملكي أعاد وضع الانتداب الانتخابي في إطاره الحقيقي: مسؤولية سياسية وتعاقد أخلاقي مع المواطنين.
وهذا يعني أن زمن المنتخب الذي يظهر فقط خلال الحملات الانتخابية ثم يختفي داخل المؤسسات يفترض أن يصبح جزءاً من الماضي. المواطن يريد نائباً حاضراً، وجماعة فعالة، وجهة قادرة على الإنجاز، وبرلماناً يناقش القضايا الحقيقية، وحكومة تقاس بقدرتها على حل المشاكل وليس بعدد البلاغات والتصريحات.
الرسالة الثانية الكبرى ترتبط بالاقتصاد.
فالمغرب مطالب بإطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات في الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، مع تعزيز الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين المواد الأساسية.
إنها إشارة إلى أن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة تدبير عادي، بل مرحلة بناء مناعة اقتصادية وطنية قادرة على مواجهة التحولات الدولية والأزمات المفاجئة.
وفي هذا الإطار، لم يترك الخطاب القطاع الخاص خارج دائرة المسؤولية، بل دعاه بوضوح إلى الارتقاء إلى مستوى فاعل استراتيجي في التنمية، والاستثمار والتصدير وخلق فرص الشغل.
أما الشباب، فقد حضروا باعتبارهم إحدى أكبر أولويات المرحلة. فالتعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص ليست ملفات اجتماعية منفصلة، بل أصبحت جزءاً من معركة استعادة الثقة بين الشباب والمؤسسات.
وهنا تحديداً يوجد أحد أكبر تحديات الحكومة والبرلمان: كيف يمكن تحويل الثقة في المستقبل إلى فرص حقيقية في الحاضر؟
إن خطاباً ملكياً يضع الشباب في صدارة السياسات العمومية، ويشدد على العمل الميداني وعلى تحسين الخدمات، يفرض على المؤسسات أن تعيد ترتيب أولوياتها وأن تقترب أكثر من المواطن.
وفي الجانب الدولي، حمل الخطاب بدوره رسائل قوية، خصوصاً في ما يتعلق بالشراكات وقضية الهجرة والعلاقات مع إسبانيا. المغرب يؤكد أنه شريك مسؤول وموثوق، لكنه في الوقت نفسه يرفض أن تتحول الشراكات إلى مجال للضغط أو التهديد أو الابتزاز.
إنها رسالة تعكس ثقة أكبر في موقع المغرب الدولي، وتؤكد أن الدبلوماسية المغربية لم تعد تقوم فقط على رد الفعل، وإنما على تقديم رؤى ومبادرات وشروط واضحة للشراكات المستقبلية.
لكن أقوى ما في الخطاب، في تقديري، هو ذلك الجزء الذي خاطب فيه الملك أعضاء البرلمان مباشرة.
فالبرلمانيون ليسوا مجرد أسماء فازت في الانتخابات، وليس الانتداب البرلماني امتيازاً شخصياً، وإنما أمانة ومسؤولية وتعاقد مع المواطنين.
وهذا يضع الولاية التشريعية الجديدة أمام امتحان حقيقي.
فالمواطن لا ينتظر برلماناً يكتفي بالمواقف والخطابات، وإنما مؤسسة تشريعية قوية، تشرّع، وتراقب، وتساءل، وتدافع عن القضايا الحقيقية للمغاربة.
كما أن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بترجمة هذا السقف السياسي إلى قرارات وبرامج قابلة للقياس، خصوصاً في التشغيل، والخدمات العمومية، والتنمية الترابية، والاستثمار، والشباب.
من هنا يمكن القول إن الخطاب الملكي أعلن، بشكل واضح، نهاية مرحلة الاكتفاء بتعداد الإنجازات وبداية مرحلة جديدة عنوانها المسؤولية عن النتائج.
المغرب تغير كثيراً خلال السنوات الماضية، وموقعه الاقتصادي والدبلوماسي أصبح أكثر قوة، لكن قوة الدول لا تقاس فقط بما تنجزه في المشاريع الكبرى، وإنما أيضاً بقدرة مؤسساتها على جعل المواطن يرى أثر تلك الإنجازات في المدرسة والمستشفى والإدارة والنقل والماء والشغل والمدينة والقرية.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي للولاية التشريعية والحكومية الجديدة.
لقد ارتفع سقف الانتظارات، ووضحت الأولويات، ولم تعد الأعذار مقنعة.
المرحلة المقبلة تحتاج مؤسسات تشتغل أكثر، وإدارة أسرع، وجهات أقوى، وبرلماناً أكثر فعالية، وحكومة تقاس بما تنجزه على الأرض.
ذلك هو جوهر الرسالة الملكية… زمن النتائج بدأ.

