متابعة : أشرف أولاد الفقيه.
لم يعد تشكيل الحكومة المغربية الجديدة مجرد محطة دستورية تلي الانتخابات التشريعية، بل أصبح اختبارا سياسيا وتنمويا في مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب، تتقاطع فيها انتظارات المواطنين الاجتماعية مع رهانات التنمية الاقتصادية، وتتزامن فيها الاستحقاقات الوطنية مع استعدادات المملكة لاحتضان نهائيات كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
إنها، بكل المقاييس، حكومة مطالبة بالاشتغال على أكثر من واجهة في الوقت نفسه: تنفيذ التوجيهات الملكية السامية، وترجمة الوعود الانتخابية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ، واستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، ثم تدبير الأوراش الكبرى المرتبطة بالمونديال، دون إغفال القضايا اليومية التي تؤرق الأسر المغربية، من غلاء المعيشة إلى الصحة والتعليم والتشغيل والسكن.
ولذلك، فإن وصفها بـ«حكومة المونديال» لا ينبغي أن يحصر مهمتها في تشييد الملاعب وتطوير البنيات التحتية وتحسين صورة المغرب دوليا، بل يجب أن يعكس قدرتها على جعل هذا الموعد العالمي رافعة للتنمية الشاملة، وفرصة لإحداث تحول ملموس في علاقة المواطن بالدولة ومؤسساتها.
أولا: التوجيهات الملكية.. الإطار الناظم للبرنامج الحكومي.
من المنتظر أن يستمد البرنامج الحكومي الجديد مرتكزاته الأساسية من التوجيهات الملكية السامية، باعتبارها محددا رئيسيا للأولويات الاستراتيجية للمملكة، على أن تتم ترجمتها إلى التزامات حكومية منسجمة مع الاختصاصات الدستورية، والإمكانات المالية، والبرامج الانتخابية للأحزاب المشكلة للأغلبية.
وقد رسم الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، يوم 9 أكتوبر 2026، أفقا واضحا للمرحلة المقبلة، يقوم على تعزيز مكانة المغرب كقوة اقتصادية صاعدة، مع تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، والتأكيد على جعل الشباب في صلب السياسات العمومية.
وتكمن أهمية هذا التوجه في أنه يضع الحكومة أمام معادلة لا يمكن حلها بالاكتفاء بالمؤشرات الاقتصادية العامة؛ فارتفاع الاستثمار أو تحسن بعض المؤشرات المالية لا يكتسبان معناهما الكامل ما لم ينعكسا على فرص الشغل، وجودة الخدمات العمومية، والقدرة الشرائية، وتقليص الفوارق بين الجهات والمجالات الحضرية والقروية.
ومن هذا المنطلق، يفترض أن يتحول البرنامج الحكومي إلى عقد سياسي وتدبيري واضح، يحدد الأولويات، ويربط كل التزام بآجال الإنجاز ومؤشرات القياس ومصادر التمويل، حتى لا تتكرر التجربة التي تختلط فيها الوعود الانتخابية بالأهداف العامة، دون أن يعرف المواطن في نهاية الولاية ما تحقق منها وما تعثر.
ثانيا: خمسة ملفات ستحدد ملامح حكومة المونديال
1. الدولة الاجتماعية: الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
سيكون الرهان الاجتماعي في مقدمة الملفات المطروحة، خصوصا ما يتعلق بتحسين جودة المستشفيات، وتقريب الخدمات الصحية من المواطنين، ومعالجة الخصاص في الموارد البشرية والتجهيزات، إلى جانب إصلاح المدرسة العمومية، والحد من الهدر المدرسي، وتحسين جودة التعلمات، وتطوير التكوين المهني والجامعي. فالنجاح هنا لا يقاس بعدد المشاريع المعلنة، بل بمدى شعور المواطن بتحسن الخدمة التي يتلقاها.
2. التشغيل والقدرة الشرائية.
لن يكون ممكنا الحديث عن نجاح الحكومة دون معالجة البطالة، خصوصا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، ودون اتخاذ إجراءات عملية للتخفيف من أثر ارتفاع الأسعار على الأسر. ويتطلب ذلك تشجيع الاستثمار المنتج، ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل، وتقييم فعالية برامج الدعم الاجتماعي، بدل الاكتفاء بإعلان أرقام إجمالية حول مناصب الشغل والاستثمارات.
3. مونديال 2030: من البنية التحتية إلى التنمية المستدامة.
سيمثل تنظيم كأس العالم فرصة لتسريع مشاريع النقل والطرق والمطارات والسكك الحديدية والفنادق والتجهيزات الرياضية، فضلا عن تحديث المدن وتعزيز جاذبيتها السياحية. غير أن التحدي الحقيقي هو ضمان استفادة الاقتصاد المحلي والمقاولات الوطنية والشباب من هذه الاستثمارات، وتفادي تحول المنشآت الكبرى إلى أعباء مالية بعد نهاية المنافسات. فالمونديال موعد عالمي محدد زمنيا، أما التنمية فمشروع دائم.
4. العدالة المجالية والماء والسكن.
يظل تقليص الفوارق بين الجهات، وتحسين الولوج إلى الماء الصالح للشرب، وتسريع مشاريع التطهير والنقل والسكن، من الاختبارات الأساسية لأي حكومة تريد الجمع بين النمو والإنصاف. كما يتعين أن تحظى المناطق التي لا توجد ضمن المدن المستضيفة للمونديال بنصيبها من الاستثمار العمومي، حتى لا تتحول الاستعدادات لهذا الحدث إلى عامل إضافي لتركيز المشاريع في مجالات محددة.
5. الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
يتوقف تنفيذ الأوراش الكبرى على جودة الإدارة، ونجاعة المؤسسات العمومية، وتبسيط المساطر، ومحاربة تضارب المصالح والفساد، وتعزيز الشفافية في الصفقات العمومية. كما تبرز الحاجة إلى تقييم البرامج العمومية وفق نتائجها الفعلية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتمكين البرلمان والرأي العام من تتبع الالتزامات الحكومية بصورة منتظمة.
هذه الملفات ليست منفصلة عن بعضها؛ فالتشغيل مرتبط بالتعليم والاستثمار، والاستثمار مرتبط بجودة الإدارة والبنيات التحتية، والعدالة المجالية مرتبطة بتوزيع الموارد والاختيارات الميزانياتية. ومن ثم، فإن البرنامج الحكومي الفعال هو الذي يضمن التكامل بين هذه الأولويات، لا الذي يحولها إلى قطاعات متجاورة تتنافس على الموارد دون رؤية مشتركة.
ثالثا: البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة.. من الالتزام السياسي إلى اختبار التنفيذ.
يكتسي البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة أهمية خاصة في صياغة التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة، بالنظر إلى تصدره نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، وحصوله على 97 مقعدا بمجلس النواب.
وقد قدم الحزب برنامجه تحت عنوان «تغيير المسار .. كلمة واحدة»، واضعا القدرة الشرائية، وإدماج الشباب، والمواطنة، والأمان الاستراتيجي، والنمو المستدام ضمن أولوياته. كما أعلن عن التزامات مالية إضافية تقدر بنحو 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، وربط برنامجه بأهداف اقتصادية من بينها تحقيق متوسط نمو سنوي في حدود 5% خلال الفترة 2027–2031.
وتبرز هنا ثلاثة أسئلة أساسية:
* هل ستتمكن الحكومة من تحويل هذه الالتزامات إلى إجراءات ملموسة، خصوصا في ما يتعلق بالتشغيل وتحسين الدخل والخدمات العمومية؟
* هل ستكون الموارد المالية المفترضة كافية لتغطية كلفة البرنامج، وما مدى واقعية الفرضيات التي يقوم عليها تمويله؟
* هل ستحتفظ الحكومة بالاختيارات الأساسية لبرنامج الحزب المتصدر، أم ستعيد ترتيب الأولويات وفق التوافقات التي ستفرضها طبيعة الائتلاف الحكومي؟
إن البرنامج الانتخابي، مهما بلغت دقة صياغته، لا يصبح سياسة عمومية بمجرد الإعلان عنه. فهو يحتاج إلى توافقات داخل الأغلبية، وترجمة تشريعية وميزانياتية، وإدارة قادرة على التنفيذ، ونظام للتقييم والمحاسبة.
ومن ثم، فإن الامتحان الحقيقي لحزب الأصالة والمعاصرة لن يكون فقط في قدرته على قيادة الحكومة، بل في قدرته على إثبات أن تصدر الانتخابات يمكن أن يتحول إلى مشروع سياسي واضح المعالم، يختلف في أسلوب تدبيره ونتائجه عن التجارب الحكومية السابقة.
رابعا: تركيبة الأغلبية.. فرصة للالتقاء بين المرجعيات والتجارب السياسية.
من العناصر التي تستحق التوقف عندها طبيعة الأغلبية التي يجري التفاوض بشأنها. فالمشاورات الجارية تفتح المجال أمام احتمال تشكل تحالف يضم الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية، وهي أحزاب تختلف في تاريخها ومرجعياتها وتجاربها، لكنها تتقاطع في محطات متعددة حول قضايا الإصلاح الاجتماعي والديمقراطي.
وإلى حدود 12 أكتوبر 2026، يوم المرتقب للإعلان عن الاغلبية الحكومية التي. تضم الى جانب حزب الاصالة و المعاصرة، كل من حزب الاستقلال و حزب الاتحاد الاشتراكي و حزب التقدم والاشتراكية، مع المساندة النقدية للاتحاد الدستوري و الحركة الديمقراطية الاجتماعية.
وإذا انتهت المشاورات و الاعلان على صيغة تضم هذه الأحزاب، فإننا سنكون أمام تجربة تستحق التحليل من زاوية قدرتها على الجمع بين مرجعيات سياسية مختلفة، والاستفادة من رصيد أحزاب راكمت تجارب في تدبير الشأن العام وفي ممارسة المعارضة.
وهنا تبرز خصوصية الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي يستند إلى مرجعية يسارية واجتماعية ديمقراطية، وإلى تاريخ سياسي ارتبط بقضايا الإصلاح المؤسساتي والعدالة الاجتماعية والحريات العامة. كما يستحضر هذا التحالف، في حال تشكله، تجربة الكتلة الديمقراطية وما راكمته من نقاشات حول الانتقال الديمقراطي وتدبير الاختلاف السياسي.
لكن لا ينبغي الخلط بين التقارب التاريخي والانسجام الحكومي التلقائي؛ فاختلاف المرجعيات قد يكون مصدر غنى إذا تحول إلى تنافس إيجابي حول السياسات العمومية، وقد يصبح مصدرا للتعطيل إذا غابت الرؤية المشتركة وتغلبت الحسابات الحزبية على المصلحة العامة.
لذلك، لن يكون المعيار هو عدد الأحزاب المشاركة أو حجم تمثيليتها، بل قدرتها على الاتفاق حول أولويات محددة، وتوزيع المسؤوليات على أساس الكفاءة، والالتزام ببرنامج حكومي موحد، وتدبير الخلافات داخل المؤسسات بدل نقلها إلى المجال الإعلامي.
خامسا: الأصالة والمعاصرة أمام فرصة إثبات البديل السياسي.
يمثل تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية فرصة سياسية مهمة أمامه لإعادة تقديم نفسه في المشهد الحزبي المغربي. فالحزب، الذي راكم تجربة في المعارضة والمشاركة الحكومية، يجد نفسه اليوم أمام مسؤولية قيادة المرحلة المقبلة، بما تحمله من رهانات اجتماعية واقتصادية ودولية.
ومن الممكن قراءة هذه اللحظة باعتبارها اختبارا لقدرته على تجاوز الصورة المرتبطة بالأحزاب الإدارية، وتقديم نموذج حزبي يستند إلى برنامج واضح، وتنظيم سياسي فعال، ونخب قادرة على إنتاج الحلول والاستجابة لانتظارات المواطنين.
كما تتيح له قيادة الحكومة فرصة إعادة ترتيب علاقاته داخل الحقل الحزبي، واستقطاب فاعلين محليين ومنتخبين قد يعيدون النظر في مواقعهم السياسية، بمن فيهم بعض الأعيان المنتمين إلى التجمع الوطني للأحرار وأحزاب أخرى. غير أن هذا الاحتمال يظل رهينا بتطورات المشهد السياسي، ولا يمكن اعتباره نتيجة حتمية لتصدر الانتخابات.
والأهم من ذلك أن استقطاب المنتخبين لا يكفي وحده لبناء بديل سياسي. فالبديل الحقيقي يقاس بمدى القدرة على تجديد النخب، وإنتاج السياسات، وتوسيع المشاركة السياسية، وتقديم حصيلة قابلة للتقييم، مع احترام قواعد التنافس الديمقراطي.
إن قيادة الحكومة تمنح الحزب فرصة تاريخية لإثبات قدرته على الانتقال من موقع المنافس على السلطة إلى موقع المسؤول عن نتائج السياسات العمومية. وهي فرصة تحمل في الوقت نفسه مخاطر سياسية، لأن نجاح التجربة سيعزز رصيده، بينما ستتحمل قيادته المسؤولية السياسية عن أي إخفاق في تنفيذ الالتزامات التي قدمها للناخبين.
سادسا: المعارضة.. امتحان مواز لنجاح الحكومة.
لا يمكن تقييم الحكومة المقبلة بمعزل عن طبيعة المعارضة التي ستواجهها داخل البرلمان. فقد أعلن حزب العدالة والتنمية اختياره موقع المعارضة، بعدما حصل على 54 مقعدا، مقابل 13 مقعدا في انتخابات 2021، وهو ما يعكس عودته إلى موقع برلماني أكثر حضورا.
ومن المنتظر أن يسعى الحزب إلى توظيف تجربته الحكومية السابقة وخبرته في النقاش البرلماني لمراقبة عمل الأغلبية، ومساءلة الوزراء بشأن التزاماتهم، ومناقشة اختياراتهم في الملفات الاقتصادية والاجتماعية.
كما أن وجود قوى يسارية خارج الحكومة، إذا تأكدت هذه الوضعية في التشكيلة النهائية، قد يضيف بعدا آخر للمعارضة، من خلال التركيز على الحريات والعدالة الاجتماعية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ومراقبة مدى التزام الحكومة بالتوجهات التي تعلنها.
وهذا التعدد المحتمل في المعارضة قد يجعل النقاش البرلماني أكثر كثافة، بالنظر إلى اختلاف المرجعيات السياسية والإيديولوجية وأساليب العمل الرقابي. غير أن قوة المعارضة لا تقاس فقط بحدة خطابها أو كثرة أسئلتها، بل بقدرتها على تقديم البدائل، وكشف الاختلالات بالأدلة، وممارسة الرقابة الدستورية والمؤسساتية، والدفاع عن مصالح المواطنين.
وفي المقابل، ينبغي ألا تنظر الأغلبية إلى المعارضة باعتبارها خصما يجب إضعافه، بل باعتبارها جزءا من التوازن الديمقراطي. فالحكومة التي تستطيع الدفاع عن قراراتها بالأرقام والحجج، وتقبل المساءلة، وتراجع اختياراتها عندما تثبت محدودية نتائجها، تكون أكثر قدرة على بناء الثقة.
وبذلك، قد يتحول وجود معارضة متعددة المرجعيات إلى عامل يحفز الحكومة على تحسين أدائها، شريطة أن يكون التنافس منصبا على جودة السياسات العمومية لا على مجرد تسجيل النقاط السياسية.
سابعا: لماذا يمكن قراءة هذه التجربة بتفاؤل حذر؟
من الممكن بناء قراءة متفائلة بشأن حكومة المونديال، لكن من الضروري التمييز بين العوامل التي تتيح فرصا للنجاح وبين النتائج التي لا يمكن الجزم بها قبل انطلاق العمل الحكومي وظهور حصيلته.
أول هذه العوامل هو احتمال اجتماع أحزاب ذات تجارب سياسية وحكومية مختلفة، بما يتيح الاستفادة من خبراتها المتراكمة، ويمنح البرنامج الحكومي قاعدة أوسع للنقاش والتوافق، إذا ما نجحت في تحويل اختلافاتها إلى مصدر للتكامل بدل التنازع.
وثانيها أن حزب الأصالة والمعاصرة، بوصفه الحزب المتصدر للانتخابات، يجد نفسه أمام فرصة لإثبات قدرته على قيادة مرحلة جديدة، وتقديم نموذج في التدبير يربط المسؤولية بالنتائج. وهذه الفرصة تفرض عليه، أكثر من أي وقت مضى، الانتقال من منطق التنافس الانتخابي إلى منطق الإنجاز الحكومي.
وثالثها أن وجود معارضة قوية ومتمرسة قد يرفع من مستوى الرقابة البرلمانية، ويحد من هامش الاكتفاء بالخطاب السياسي، ويجعل الحكومة مطالبة بتقديم تبريرات واضحة لقراراتها واختياراتها.
ورابعها أن موعد 2030 يوفر أفقا زمنيا واضحا لتسريع عدد من الأوراش الاستراتيجية، ويسمح بربط بعض المشاريع بمواعيد ومؤشرات إنجاز محددة. لكن هذا العامل نفسه قد يتحول إلى ضغط على المالية العمومية والإدارة إذا لم تقترن السرعة بجودة التخطيط والنجاعة والرقابة.
وخامسها أن التوجيهات الملكية، بما تطرحه من رهانات مرتبطة بالتنمية والعدالة المجالية والشباب، تمنح البرنامج الحكومي إطارا استراتيجيا ينبغي أن يترجم إلى إجراءات قابلة للقياس، لا أن يظل مجرد مرجعية عامة في الوثائق الرسمية.
ومع ذلك، فإن هذه الاعتبارات لا تكفي وحدها للحكم بأن الحكومة ستكون بالضرورة أكثر نجاحا من سابقاتها. فالتجارب الحكومية لا تنجح بفضل تركيبتها السياسية فقط، وإنما بفضل وضوح أهدافها، وجودة اختيار مسؤوليها، وواقعية مواردها، وقدرتها على التنفيذ، ومدى استعدادها لتصحيح الأخطاء.
لذلك، فإن التفاؤل الأكثر واقعية هو التفاؤل المشروط: أن تمنح هذه التركيبة الحكومة فرصة لتقديم تجربة مختلفة، وأن يكون الحكم عليها لاحقا مبنيا على الحصيلة الفعلية، لا على الانطباعات الأولية أو الوعود المعلنة.
ثامنا: ما الذي سيجعل حكومة المونديال مختلفة فعلا؟
إذا كانت الحكومة المقبلة تريد أن تترك بصمة تتجاوز الولايات الحكومية السابقة، فإن أمامها خمسة شروط عملية:
* برنامج حكومي قابل للمحاسبة: تحديد التزامات دقيقة وآجال واضحة ومؤشرات سنوية لقياس التقدم.
* الانسجام بين مكونات الأغلبية: وضع حد أدنى من الاتفاق حول الملفات الكبرى، مع احترام الاختلافات السياسية المشروعة.
* تغليب الكفاءة على التوازنات الحزبية: اختيار المسؤولين على أساس القدرة على الإنجاز، مع وضوح المسؤوليات والمحاسبة.
* الإنصاف في توزيع ثمار التنمية: ضمان ألا تقتصر آثار الاستثمارات الكبرى على المدن المستضيفة للمونديال أو على القطاعات المرتبطة به مباشرة.
* الانفتاح على الرقابة والاقتراح: التعامل مع البرلمان والمعارضة والمجتمع المدني باعتبارهم شركاء في تحسين السياسات العمومية، لا مجرد أطراف في صراع سياسي.
ومن المفيد كذلك أن تتبنى الحكومة آلية سنوية لنشر حصيلة تنفيذ برنامجها، تتضمن ما تحقق وما تعثر، والكلفة المالية للالتزامات، وأسباب التأخر، والإجراءات التصحيحية. فبهذه الطريقة يصبح البرنامج الحكومي وثيقة حية يمكن للمواطن والبرلمان والإعلام تقييمها، بدل أن يتحول إلى وثيقة مرجعية لا يعود إليها أحد بعد نيل الثقة.
خاتمة: حكومة المونديال ليست حكومة الملاعب فقط.
إن التحدي الحقيقي أمام حكومة 2026–2030 هو أن تجعل من مونديال 2030 محطة للتنمية، لا غاية في حد ذاته؛ وأن تحول التوجيهات الملكية والبرامج الانتخابية إلى نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية، من المدرسة والمستشفى إلى فرص الشغل والسكن والنقل والقدرة الشرائية.
كما أن اجتماع أحزاب ذات مرجعيات وتجارب مختلفة، ووجود حزب متصدر يسعى إلى إثبات قدرته على قيادة الحكومة، في مقابل معارضة قادرة على ممارسة الرقابة، كلها عناصر يمكن أن تهيئ شروط تجربة سياسية تستحق المتابعة والتقييم.
لكن الفارق بين حكومة عادية وحكومة تترك أثرا تاريخيا لا تصنعه الشعارات، ولا الأسماء، ولا عدد الأحزاب المشاركة، بل تصنعه النتائج: هل انخفضت البطالة؟ هل تحسنت المدرسة العمومية؟ هل أصبح العلاج أقرب إلى المواطن؟ هل تقلصت الفوارق المجالية؟ وهل شعر المغاربة بأن المؤسسات تستجيب لانتظاراتهم؟
تلك هي الأسئلة التي ينبغي أن ترافق هذه الحكومة منذ يومها الأول، وتلك هي المعايير التي ستحدد، عند نهاية ولايتها، ما إذا كانت قد نجحت في استثمار فرصة المونديال لبناء نموذج تنموي أكثر إنصافا وفعالية.
فالمغرب لا يحتاج فقط إلى حكومة تنجح في تنظيم كأس العالم، بل إلى حكومة تجعل من الاستعداد لهذا الموعد العالمي فرصة لتحسين شروط العيش، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وترسيخ معنى المسؤولية السياسية.
حكومة المونديال أمام فرصة كبيرة، لكنها فرصة لا تتحول إلى نجاح إلا بالعمل والإنجاز والمحاسبة.

