الرباط : المغرب360
وضعت الحكومة الجديدة تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد وتضارب المصالح ضمن أولويات الولاية الحكومية 2026–2031، من خلال مجموعة من الالتزامات التي حملها التصريح الحكومي، وتهم بشكل مباشر تدبير المال العام، ونزاهة القرار العمومي، وقواعد المنافسة في الصفقات العمومية.
وأعلنت الحكومة التزامها بالعمل على تجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة حالات تضارب المصالح تطبيقاً للفصل 36 من الدستور، وتجريم إفشاء المعلومات من أجل الحصول على امتيازات، إلى جانب تعزيز آليات التصريح بالممتلكات.
وهي إجراءات، إذا تحولت إلى نصوص قانونية قابلة للتنفيذ وآليات فعالة للمراقبة، يمكن أن تشكل خطوة مهمة في مسار تخليق الحياة العامة وتعزيز الثقة في المؤسسات.
لكن الأهم في التصريح الحكومي هو أن الحكومة لم تفصل محاربة الفساد عن طريقة تدبير الاقتصاد والمال العام، خصوصاً في مجال الصفقات العمومية، الذي ظل لسنوات واحداً من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للمقاولات والمواطنين على حد سواء.
ومن بين أبرز الالتزامات التي حملها التصريح الحكومي تخصيص 30 في المائة من قيمة الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية.
هذه النسبة، إذا تم تنزيلها فعلياً وبشفافية، يمكن أن تمنح دفعة قوية للمقاولات الوطنية الصغيرة والمتوسطة، وتفتح أمامها مجالاً أوسع للمشاركة في الدورة الاقتصادية والاستفادة من الطلب العمومي.
لكن نجاح هذا الإجراء لن يقاس بالنسبة المعلنة فقط، وإنما بمدى استفادة المقاولة الصغيرة فعلاً من الصفقات، بعيداً عن أي ترتيبات أو ممارسات قد تجعلها مجرد واجهة في منظومة تستفيد منها جهات أخرى.
وهنا تبرز أهمية مراقبة مراحل إعداد الصفقات وإعلانها وإسنادها وتنفيذها وأداء مستحقاتها، مع ضمان تكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين.
التصريح الحكومي يضع عناوين واضحة، لكن تحويل هذه العناوين إلى واقع يحتاج إلى تشريع دقيق، ومؤسسات رقابية قوية، وإرادة فعلية في تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
فتجريم الإثراء غير المشروع، على سبيل المثال، لن يكون مجرد إضافة إلى الترسانة القانونية، بل يفترض وجود آليات دقيقة لتتبع تطور الثروة ومقارنتها بالمداخيل المشروعة، مع احترام الضمانات القانونية وحقوق المعنيين.
والأمر نفسه ينطبق على تضارب المصالح؛ إذ إن تطبيق الفصل 36 من الدستور يتطلب قواعد واضحة تحدد الحالات التي يصبح فيها تضارب المصالح مؤثراً في القرار العمومي، وكيفية التصريح به، وما يترتب عنه من إجراءات وجزاءات.
أما إفشاء المعلومات للحصول على امتيازات، فيحتاج بدوره إلى ضبط قانوني دقيق، حتى تكون الحماية موجهة فعلاً إلى نزاهة القرار الاقتصادي والإداري، دون أن تتحول إلى مقتضيات فضفاضة قابلة لتأويلات متعددة.
المواطن يريد نتائج لا عناوين. يريد أن يعرف هل أصبحت الصفقات العمومية أكثر شفافية؟ وهل أصبحت المقاولات الصغيرة قادرة فعلاً على المنافسة؟ وهل أصبحت حالات تضارب المصالح تخضع للمساءلة؟ وهل أصبح الإثراء غير المشروع موضوعاً لقواعد قانونية واضحة وفعالة؟
تلك هي الأسئلة التي ستحدد قيمة هذا الورش.
فالحكومة، بإعلانها هذه الالتزامات، وضعت نفسها أمام اختبار سياسي ومؤسساتي حقيقي: الانتقال من خطاب تخليق الحياة العامة إلى ممارسة تجعل النزاهة قاعدة، وتكافؤ الفرص حقاً، والمال العام مسؤولية لا مجال فيها للامتيازات غير المشروعة.
وفي النهاية، فإن نجاح هذا الورش لن يكون انتصاراً للحكومة وحدها، بل مكسباً للمؤسسات وللاقتصاد الوطني وللمقاولات المغربية وللمواطن الذي يريد أن يرى دولة قوية بالقانون، عادلة في الفرص، وحازمة في حماية المال العام.

