المغرب360 : محمد غفغوف
في الحياة السياسية، ليست كل الحكايات مجرد مواقف عابرة، فبعضها يكشف حقيقة النفوس، ويعيد طرح سؤال النبل في زمن أصبحت فيه الحسابات الضيقة أقوى أحياناً من روابط النضال المشترك.
أحمد المهدي مزواري، ابن عائلة اتحادية عريقة بمدينة المحمدية، واحد من الوجوه التي تشكلت داخل مدرسة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، انطلاقاً من الشبيبة الاتحادية، مروراً بالمسؤوليات الحزبية المحلية والجهوية والوطنية، وصولاً إلى المؤسسة التشريعية نائباً برلمانياً عن لائحة الشباب.
إنه مسار سياسي لم يُصنع بين ليلة وضحاها، بل تشكل عبر سنوات من العمل الحزبي والتراكم التنظيمي. واليوم، يجد مزواري نفسه أمام محطة جديدة، بعدما حظي بالثقة الملكية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، وبثقة حزبه الذي اقترحه لتولي منصب وزير منتدب مكلف بالصيد البحري.
وهنا تبدأ الحكاية التي يبدو أنها لم ترق لبعض النفوس؛ فبدل انتظار ما سيقدمه الرجل في مسؤوليته الجديدة، اختار البعض الخوض في الماء العكر، فيما انخرط آخرون في حملات تثير أكثر من سؤال حول دوافعها وتوقيتها.
لا أزعم أن المسؤولين فوق النقد، ولا أن الثقة الملكية أو الحزبية تعفي أحداً من المحاسبة. لكن الفرق كبير بين نقد مسؤول بسبب أدائه، واستهدافه لمجرد أنه نجح أو وصل إلى موقع لم يكن البعض يتوقعه له.
وما يثير الاستغراب أكثر أن تأتي بعض الطعنات من داخل البيت الحزبي نفسه، من أشخاص يفترض أن تجمعهم أخلاقيات النضال، وأن يدركوا أن الاختلاف والمنافسة لا يبرران الطعن من الخلف. فالسياسة أخلاق قبل أن تكون مواقع، والنبل في الخصومة امتحان حقيقي لمن يرفعون شعارات المبادئ.
أما أصحاب صحافة «البوز»، الذين يختزلون العمل الإعلامي في الإثارة والنسخ واللصق، فليسوا بديلاً عن الصحافة المهنية التي تبحث وتتحقق وتنتقد بمسؤولية. من حق الجميع مساءلة الوزير، لكن ليس من حق أحد أن يجعل التشهير بديلاً عن الحقيقة.
عرفت الكثير من القيادات السياسية المغربية، وأؤمن بأن التواضع والقرب من الناس يظلان من أجمل صفات السياسي الناجح. وفي أحمد المهدي مزواري يرى من يعرفونه شخصية تتميز بالبساطة والتلقائية، وبقدرة على التواصل بعيداً عن استعراض السلطة والتعالي على الآخرين.
ولذلك، فإن مساندته اليوم ليست شيكاً على بياض، ولا إعفاءً له من النقد، بل دفاع عن حقه في أن يُقيَّم بما سيقدمه من عمل ونتائج، لا بما يُحاك حوله في الكواليس.
ولي اليقين بأن المهدي لن يسمح لهذه الحملات بأن تصرفه عن مسؤولياته، وأن أفضل جواب عن الضجيج سيظل هو العمل والإنجاز. فالمسؤولية الحكومية أكبر من معارك التدوينات، وثقة الناس لا تُحفظ بالردود الانفعالية، بل بالوفاء لانتظاراتهم.
لقد قسا كثيرون على الاتحاد الاشتراكي لأنه كان، بالنسبة إلى أجيال من المغاربة، عنواناً للأمل. واليوم، يبقى الرهان أن يستعيد أبناء هذه المدرسة قيم النبل والوفاء والاختلاف المسؤول، وأن يتذكروا أن نجاح أحدهم ليس بالضرورة خسارة للآخر.
معك المهدي، ليس لأن النقد ممنوع، بل لأن الإنصاف واجب؛ ولأننا نرفض أن تتحول السياسة إلى ساحة لتصفية الحسابات، وأن يصبح النجاح تهمة، والتواضع نقطة ضعف.
ففي زمن الكواليس، يبقى النبل موقفاً، والحقيقة أقوى من الضجيج، والتاريخ وحده كفيل بإنصاف الرجال.

