بقلم : محمد غفغوف
في مدينة مثل فاس، التي كانت ذات يوم منارات للعلم والتاريخ والحضارة، صار من الصعب أن تمرّ بفكرةٍ نبيلة أو مبادرةٍ صادقة دون أن تُقابل بشيء من البرود، أو تُرمى في سلة مهملات السياسة أو الحسابات الضيقة،
لا لشيء سوى لأن من يحملونها لا يملكون سلطة ولا مالاً، فقط يملكون قناعة، ورؤية، وإصراراً على أن الوطن يستحق الأفضل.
لقد صار الغدر في بعض الأوساط أسلوب تدبير، وصارت سياسة اللامبالاة عنواناً بارزاً في التعامل مع المبادرات المجتمعية الجادة، من يشتغلون في الظل، بروح التطوع والانتماء، يُنظر إليهم كما يُنظر إلى الغرباء في بيوت لا تعرف الوفاء، وكأن المعيقات لم تعد فقط مادية أو لوجستيكية، بل أصبحت نفسية ومعنوية، تمارس حرب استنزاف صامتة ضد كل من تسوّل له نفسه أن يحلم أو يخطو نحو التغيير.
ولعل ما يزيد من مرارة التجربة، هو ذلك النوع من الأشخاص الذين يتقنون فن الوعد، ثم يتقنون أكثر فن التنكر له، أولئك الذين يظهرون حماسة لحظة الحديث، ويغدقون كلمات الدعم والتشجيع، ثم لا يلبثون أن يختفوا بمجرد أن تنتهي الصورة أو يُرفع الهاتف، يغلقون هواتفهم، لا فقط على الاتصال، بل على العلاقة، وعلى المبدأ، وعلى ما تعهدوا به، وكأن الكلمة لم تعد عهداً، ولا الالتزام مسؤولية.. هذا السلوك، الذي بات متكرراً بشكل مزعج، لا يجرح فقط المنتظرين، بل يهين الفكرة نفسها، ويُضعف منسوب الثقة العامة في جدوى المبادرة والعمل المشترك.
لكن، ورغم كل ذلك، تبقى التجارب الحقيقية هي ما يصنع الفارق، وتبقى الرسائل الصادقة، حتى وإن أُهملت، تحمل قيمتها ومعناها، فليست العبرة في أن تجد طريقاً ممهداً، بل في أن تواصل السير حين تُسَدّ الأبواب، ويُثقل الكاهل، ويُساء الفهم. وليست القيمة في التصفيق، بل في أن تحافظ على اتزانك حين يخفت كل صوت من حولك.
في فاس، كما في مدن أخرى، هناك رسائل تُدفن قبل أن ترى النور، وأحلام تُكسر على أعتاب الإهمال، ومبادرات تُجهض داخل أروقة البيروقراطية البليدة، ومع ذلك، يستمر البعض، لا لأنهم مغفّلون أو لا يعرفون الواقع، بل لأنهم يدركون جيداً أن التغيير لا يأتي فجأة، وأن الوفاء للفكرة أهم من مكافأة اللحظة.
قد توضع رسائلنا في سلة المهملات، وتُقابل خطواتنا بالصمت أو التجاهل، لكننا لن نتوقف. لأننا نؤمن أن الفكرة حين تُبنى على الإخلاص، تعيش. وأن التجربة، مهما كانت قاسية، تمنحنا المناعة والعزم.
النتائج ليست دائماً في يدنا، لكن الصدق مع النفس، والثبات على الطريق، هو ما يمنح حياتنا معناها. لذلك، فلتسقط حسابات المصالح، ولتتهاوى حواجز الإقصاء… رسالتنا ستستمر، لا لأننا ننتظر التتويج، بل لأننا نؤمن بضرورة أداء الأمانة.

