بقلم: محمد غفغوف
في كل دورة انتخابية، يتكرر المشهد: وجوه تخرج من الظل إلى الضوء، وعود تتطاير كالأحلام، شعارات براقــة، وابتسامات مصطنعة تملأ الشوارع والساحات، نصدقهم، أو نتظاهر بذلك، علّنا نرى تغييرًا حقيقيًا، لكن ما إن تُفتح صناديق الاقتراع، حتى تُقفل قلوبهم وآذانهم، ويغيبون في زحام المصالح، فلا نسمع لهم صوتًا إلا إذا اقترب موعد الانتخابات مجددًا.
السياسة – عند من يحترمها – عملٌ نبيل، ورسالةٌ مجتمعية قبل أن تكون وظيفة أو سلطة، لكن عندكم يا محترفي الاستغلال، تحولت السياسة إلى مهنة قذرة، وسوق للمزايدات، ووسيلة للتموقع الاجتماعي والاغتناء السريع، جعلتم من المناصب الانتدابية جسرًا نحو الريع، لا منصة لخدمة الناس.
أصبح البرلمان والمجالس المنتخبة عندكم أماكن للصفقات، لا للرقابة والتشريع أو التدبير النزيه.
كذبتم، ثم كذبتم، حتى صدقتم أنفسكم، بعتم الوعود الرنانة في الحملات، واشتريتم بها صمت الناس بعد أن خذلتموهم في الواقع. أدرتم ظهوركم للأحياء المهمشة، وللشباب العاطل، وللنساء المنسيات، وللأصوات التي وثقت فيكم ذات يوم، فإذا بها اليوم تصرخ من الخذلان.
ولا أقصد في هذا الكلام إلا الذين يشعرون في قرارة أنفسهم أنهم المعنيون به، أما أولئك الواثقون من صدقهم ونظافة يدهم ونبل رسالتهم، فهؤلاء لا تعنيهم هذه الكلمات، بل هم في منأى عنها، ومحل تقدير واعتزاز.
ما هكذا تكون السياسة، وما هكذا يُصان العهد، فأنتم لم تكونوا رجال دولة، بل سماسرة مصالح، لم تمثلوا الشعب، بل مثلتم عليه.
ألم تسمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم:
“ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته إلا حرَّم الله عليه الجنة”
[رواه البخاري ومسلم]
ألم تقرأوا في كتاب الله عز وجل، في وصف الخونة والغادرين:
“وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ، إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ”
[إبراهيم: 42]
عودوا إلى رشدكم، قبل أن يحاسبكم الناس… وقبل أن يحاسبكم الله.

