بقلم: محمد غفغوف
في مدن مثل فاس، لا يُقاس نبض الشارع فقط بتقلبات السياسة أو ارتفاع الأسعار، بل أيضًا بتقلبات “الماص”. المغرب الفاسي ليس مجرد نادٍ رياضي، بل كيان وجداني مشترك بين أجيال من الفاسيين. ومن هنا، فإن ما كشف عنه الرئيس السابق سعد أقصبي لا يمكن اعتباره تصريحًا عابرًا، بل هو نداء إنذار من داخل الدار.
يقول أقصبي إن الفريق دُبّر خلال السنوات الست الماضية بعقلية “الضيعة”، حيث تغولت القرارات الفردية، وغُيّبت المؤسسات، وتم استغلال الجمعية كغلاف شرعي لتصريف قرارات لا علاقة لها لا بالديمقراطية ولا بالحكامة.. النتيجة؟ عجز مالي يُقارب 12 مليار سنتيم، وتدحرج تقني وإداري جعل النادي الذي رفع الكؤوس قارياً ومحلياً، يُصارع اليوم من أجل البقاء في واجهة الذاكرة، لا في الميادين.
لكن ما هو أخطر في كلام أقصبي هو ما يتعلق بما سماه “تفويتًا تدليسياً” لأسهم الشركة الرياضية، بعيدًا عن أعين القانون والمحاسبة، وبتواطؤ صامت أو خائف أو منتفع، إذا صحت هذه المعطيات، فنحن لا نتحدث فقط عن أزمة تسيير، بل عن تواطؤ ممنهج ضد مصلحة عامة، تُرتكب فيه خروقات قانونية باسم الاستمرارية، وتُمارَس فيه الإقصاءات باسم الاستقرار.
الغريب في هذا الملف أن الحديث عن “أشباه المنخرطين” لم يعد تهمة، بل أصبح مشهداً عادياً في الجمعيات العامة، حيث يجتمع من لا علاقة لهم لا بالرياضة ولا بالفريق، للتصويت على تقارير لا يقرؤونها، ولتزكية قرارات لا يفهمون آثارها، وهنا لا يمكن فصل أزمة الرياضة عن أزمة الديموقراطية المحلية، ولا الحديث عن الإصلاح دون مساءلة البُنى التي تُنتج هذه الرداءة.
أمام هذا الوضع، فإن دعوة أقصبي لدمقرطة النادي، وفتح الباب أمام منخرطين جدد، وتنظيم جمع عام حقيقي للشركة الرياضية، ليست ترفًا تنظيميًا، بل شرط وجودي لإنقاذ الكيان قبل أن يُعلن موته رسميًا.
إن تاريخ المغرب الفاسي أكبر من الأشخاص، وأغلى من التحالفات المؤقتة، ومن يعتقد أن الجماهير ستبقى صامتة أمام ما يجري، يُسيء قراءة الذاكرة الجماعية الفاسية، التي كثيرًا ما تُعيد ترتيب المشهد حين تشتد العتمة.
الماص لا تحتاج إلى مسكنات ولا إلى خطابات مطاطية، بل إلى ثورة داخلية تعيد الاعتبار للمشروعية، والمحاسبة، والكفاءة، قبل أن تتحول العراقة إلى قصة تُحكى بصيغة الماضي.

