بقلم: محمد غفغوف
في الوقت الذي يُنتظر فيه من الجماعات الترابية أن تشكّل رافعة للتنمية المحلية، تبدو جماعة فاس سائرة في اتجاه معاكس، بعدما تحولت إلى نموذج لغياب الحكامة وتراجع الفعالية في التسيير العمومي.
ففي مدينة بحجم فاس، بتاريخها الرمزي وثقلها السكاني والثقافي، لا يمكن إلا أن يثير القلق استمرار الجمود التنموي، والتخبط المالي، وانسحاب الدولة من دعمها كما تفعل مع جماعات أخرى، ولعلّ أخطر ما يُنذر بالإفلاس التدبيري الشامل هو مشهد استقالة رؤساء أقسام حيوية بالجماعة (النقل، النظافة، التجهيز…)، وتفضيلهم الانتقال إلى مصالح “مريحة” مالياً، ولو على حساب الصالح العام.
هذه الاستقالات ليست مجرد حركة إدارية عادية، بل هي رسالة احتجاج صامتة على غياب الرؤية، وضعف التنسيق، وتفشي منطق الزبونية والمصالح الضيقة داخل المجلس الجماعي، إنها تجسيد عملي لفشل النموذج التدبيري المحلي الذي تحكمه الحسابات السياسية أكثر مما تحكمه المصلحة العامة.
ثمّة من يعتقد أن إشراف وزارة المالية اليوم على تأهيل ميزانيات الجماعات الترابية هو عودة اضطرارية إلى المركزية بعد سنوات من الفوضى التدبيرية واللامسؤولية في التسيير.
لكن، ماذا يعني هذا على المدى المتوسط؟ إنه ببساطة تفريغ للتجربة الديمقراطية المحلية من جوهرها، وإضعاف لفكرة القرب والمساءلة، وتحويل الجماعات إلى مجرد هياكل تصريف لا تمتلك قرارها.
من جهة أخرى، تعيش جماعة فاس على وقع تفاوت صارخ في الدعم العمومي، حيث حُرمت طيلة سنوات من الإعانات الاستثنائية من ميزانية الدولة، خلافًا لمدن استفادت بسخاء من تحويلات الضريبة على القيمة المضافة، هذا الحرمان المالي أجهز على طموحات المدينة وأدخلها في دوامة استدانة، وبيع ممتلكاتها، وتأجيل المشاريع الحيوية.
إن إنقاذ فاس لا يمر فقط عبر قروض جديدة أو ترقيعات بيروقراطية، بل عبر إصلاح هيكلي في بنية الجماعة، وتفعيل حازم لآليات الاستخلاص، وتحسين مناخ العمل الإداري، مع إعادة الاعتبار للكفاءات المحلية النزيهة، والأهم من ذلك: فرض عدالة مجالية حقيقية في توزيع دعم الدولة.
فاس لا تستحق كل هذا التراجع، المدينة التي أنجبت الرواد، وبنت الذاكرة، وصنعت إشعاع المغرب، تحتاج إلى من يؤمن بها… لا إلى من يهرب منها.

