بقلم: محمد غفغوف
في زمن طغت فيه الرداءة على المشهد الفني، وامتلأت منصات التواصل الاجتماعي بمؤثرين لا يملكون من التأثير سوى ما يثير الغرائز ويقتل الذوق، أصبح من الطبيعي أن نرى قاصرين يُشعلون النار في شوارع سلا وسطات والحي المحمدي، ويتراشقون بالحجارة مع رجال الأمن، ويعتدون على القوات المساعدة في مشاهد أقرب إلى الفوضى المنظمة منها إلى المراهقة العابرة.
ما حدث ليلة الاحتفال بعاشوراء، ليس مجرد أحداث شغب عابرة، بل هو مرآة مقلقة لوضعية عامة تنذر بالخطر: شباب دون سن الرشد يتصرفون وكأنهم في زمن بلا قانون ولا قدوة، فماذا تنتظر من جيل تربى على كلمات ساقطة وأغانٍ تحرض على العنف والمخدرات تحت غطاء “الراب الحديث”، ويصفق لأشباه الفنانين من أمثال المدعو “طوطو”، الذي لا يتردد في المجاهرة بالإباحية وتعاطي المخدرات، ويجد من يبرر له ويمهد له الطريق نحو منصات رسمية وجماهيرية؟
وهل نلوم هذا الجيل الصاعد، وقد تُرك فريسة لأصحاب المحتوى الباهت، الذين اختزلوا مفهوم “التأثير” في عدد المتابعين ولو على حساب الأخلاق والقيم؟ مؤثرون – بالأسماء والعناوين – لا يقدمون سوى التفاهة، ويقتاتون على فضائحهم اليومية، ويغذون عقل المتلقي بكلمات نابية ومظاهر مبتذلة، في غياب رقابة مجتمعية ومؤسساتية تحمي الطفولة من هذا الانحدار المتسارع.
ما وقع في تلك المدن يضعنا أمام أسئلة صادمة: من يربي هذا الجيل؟ من يملأ فراغه؟ أين المدرسة؟ أين الأسرة؟ أين الإعلام الجاد؟ أين الفن الهادف؟ وأين السياسات العمومية التي تتحدث عن “تمكين الشباب” وتتركه يتخبط في مستنقعات الإدمان والفراغ والعنف؟
نعم، هناك أزمة عميقة في التوجيه والقدوة، أزمة تبدأ حين تُمنح المنصات لمن لا يستحق، وتُكافأ الرداءة بالتصفيق، وينسحب العقلاء من الفضاء العام ليملأه المهرجون.
نحن أمام خطر لا يجب الاستهانة به، ما وقع أمس هو ناقوس إنذار، فلا الاستهانة بهذا الغضب المراهق ولا شيطنته كافيان لفهم حجمه الحقيقي، المطلوب اليوم وقفة وطنية شجاعة، تعيد الاعتبار للتربية والفن والثقافة والوعي، وتقطع مع التواطؤ مع الرداءة، وتحاسب كل من ساهم في إنتاج وترويج التفاهة، سواء تحت غطاء “الفن الحضري” أو “الترفيه الحديث”.
إن ما نحتاجه اليوم ليس فقط قوانين زجرية، بل مشروع مجتمعي يعيد بناء الإنسان المغربي على أسس من المواطنة والكرامة والقيم، فبدون ذلك، سنبقى نلاحق النيران في الشوارع، دون أن نطفئ الحريق الحقيقي الذي اشتعل في العقول والقلوب.

