بقلم: محمد غفغوف
في مغرب اليوم، أصبح من الصعب إقناع المواطن بأننا نعيش في ظل دولة الحق والقانون، فحين تتورط وجوه حزبية معروفة في ملفات فساد ثقيلة، بعضها صدر فيه القضاء أحكامًا نهائية، وأخرى لا تزال تملأ رفوف المحاكم، ثم نراها تعود بكل وقاحة إلى واجهة التدبير السياسي، بل وتتحدث عن النزاهة وخدمة الوطن، ندرك أن شيئًا ما لم يعد على ما يُرام.
ما نعيشه ليس مجرد اختلالات معزولة، بل هو مؤشر خطير على تحول بعض الأحزاب إلى شبكات مصالح مغلقة، تحكمها لغة الصفقات، والولاءات، وتقاسم النفوذ أحزاب تدير الشأن العام وكأنها تملك مفاتيح الدولة، تستغل المجالس المحلية والجهوية والمؤسسات المنتخبة كواجهات لمراكمة الغنائم، لا لخدمة المواطن.
الأدهى أن هذه الوقائع تُمرّر في صمت، وأحيانًا في ضوء الإعلام ذاته، الذي من المفترض أن يكون سلطة رقابية مستقلة، لكن ما نراه للأسف هو انخراط كثير من المنابر الكبرى في عملية تبييض الوجوه المتورطة، وتسويقها كرموز وطنية، بدل كشف حقيقتها للرأي العام، إنه إعلام فقد وظيفته، وتحول إلى شريك في تزييف الوعي، وكم أفواه الغاضبين.
اليوم، المواطن العادي يطرح سؤالًا بسيطًا لكنه عميق: من يراقب هؤلاء؟ من يحاسبهم؟ كيف يعقل أن تُسرق الملايير، وتُهدَر الميزانيات، وتُحتقر إرادة الناس، ثم نُطالب بالتصويت من جديد على نفس الوجوه؟ أين ربط المسؤولية بالمحاسبة؟ وأين تلك الشعارات التي صدّعوا بها رؤوسنا في كل حملة انتخابية؟
في هذا السياق، يصبح من المشروع أن نسأل: هل ما زلنا في دولة تحتكم إلى القانون، أم أننا نعيش في مرحلة تتغلغل فيها مافيات حزبية ترتدي ثوب الديمقراطية؟ مافيات تستغل المؤسسات لصالحها، وتحتمي بشرعية انتخابية لا تعكس بالضرورة رضا المواطنين، بقدر ما تعكس هشاشة الوعي السياسي، وعبثية المشهد الانتخابي.
ما نحتاج إليه اليوم ليس فقط إصلاحًا قانونيًا، بل صحوة سياسية ومدنية حقيقية، نحتاج إلى إعلام مهني نزيه، إلى مواطن لا يبيع صوته ولا يصمت على الظلم، وإلى نخب جديدة لا تأتي من كواليس الفساد، بل من معاناة الناس وأحلامهم. فإما أن نكسر هذا الجدار الآن، أو ننتظر سنوات أخرى نتحسر فيها على وطن تُدبّره مافيات بأسماء حزبية.

