فاس : محمد غفغوف
في مبادرة وُصفت بأنها صرخة ضمير داخل مجلس جماعة فاس، وجّه المستشار الجماعي حكيم ابن سلام، عن حزب الأصالة والمعاصرة، رسالة نارية إلى رئيس المجلس بتاريخ 27 غشت 2025، تضمّنت عشرة أسئلة دقيقة كشفت عن حجم الاختلالات التي تطبع تدبير عدد من المرافق الجماعية بالمدينة، وعلى رأسها قطاع النظافة والمساحات الخضراء والتعمير والمناطق الصناعية.
الرسالة، التي جاءت في سياق تراجع متزايد لجودة الحياة داخل العاصمة العلمية، حملت نَفَسًا رقابيًا واضحًا وجرأة سياسية نادرة، إذ لم يكتف صاحبها بالإشارة إلى الأعطاب، بل سمّاها بأسمائها، مستندًا إلى المقتضيات القانونية التي تمنح للمنتخبين حق مساءلة الجهاز التنفيذي للجماعة.

حكيم ابن سلام نبّه في مراسلته إلى ما وصفه بتفريط المجلس في المساحات الخضراء وتحويلها إلى بنايات إسمنتية، معتبراً ذلك “خطأً جسيماً يعبّر عن غياب رؤية مسؤولة لتدبير قطاع بيئي حيوي يرتبط مباشرة بصحة الساكنة”، كما حذر من تضارب المصالح بين بعض المستشارين ومقاولات تربطها صفقات بالجماعة، داعيًا إلى تفعيل القانون ومنع أي منتخب له مصالح مادية من المشاركة في القرارات ذات الصلة. ولم يفت المستشار الإشارة إلى التراجع الكبير في تدبير قطاع النظافة، حيث تساءل عن الجدوى من صرف مبالغ ضخمة دون تحسن في الميدان، مقترحًا اعتماد نظام تتبع رقمي لشاحنات الجمع عبر تقنية الـGPS لضمان الشفافية والمراقبة. كما طرح أسئلة محرجة حول الوضع المتدهور للمناطق الصناعية وغياب استراتيجية حقيقية لجذب الاستثمار، منتقدًا انعدام التواصل بين المجلس والمواطنين وغياب المعلومة حول المشاريع والصفقات العمومية.
وينتظر حكيم ابن سلام من رئيس مجلس جماعة فاس أن يجيبه صراحة وبكل رحابة صدر على الأسئلة الكتابية الموجهة إليه، وذلك خلال الجلسة الثانية من دورة أكتوبر العادية المزمع عقدها يوم الأربعاء 25 أكتوبر. أسئلة تهم تدبير الشأن المحلي لمدينة فاس في شتى المناحي، في إطار ما يكفله القانون التنظيمي 113.14 من حق للمنتخبين في طرح الأسئلة الكتابية ومساءلة الجهاز التنفيذي، وهي مناسبة يراها ابن سلام فرصة ديمقراطية ثمينة لفتح نقاش عمومي مسؤول حول أوضاع المدينة، مع إلزامية رئيس المجلس التفاعل والجواب على كل النقاط المثارة.

بهذه الرسالة، برز حكيم ابن سلام كواحد من الأصوات القليلة التي اختارت قول الحقيقة من داخل المؤسسة، دون حسابات حزبية أو شخصية، مؤكدًا أن المعارضة ليست موقعًا انتخابيًا بل موقف أخلاقي وسياسي يهدف إلى حماية المال العام وصون كرامة المواطن. وفي وقتٍ يطغى فيه الصمت أو المجاملة داخل عدد من المجالس المنتخبة، جاء صوت ابن سلام ليذكّر بأن فاس تحتاج إلى من يسائل، لا إلى من يبرر، وإلى من يملك الجرأة على النقد المسؤول في زمن أصبحت فيه الشفافية عملة نادرة.
إن رسالة المستشار ابن سلام ليست مجرد وثيقة إدارية، بل وثيقة وعي ومسؤولية تعبّر عن روح المعارضة المواطِنة التي تراقب لتصلح، وتنتقد لتبني، وتؤمن أن المدينة أكبر من أي خلاف سياسي أو مصلحة انتخابية. إنها صوت نظيف يصدح بالحق، دفاعًا عن فاس التي تستحق من أبنائها أن يكونوا في مستوى تاريخها، لا في مستوى أعذارها.

