بقلم : محمد غفغوف
لم تكن فاس يوماً مدينةً عادية كي يكون تمثيلها البرلماني عادياً. هذه الحاضرة التي تحمل ذاكرة العلم والروح والتاريخ، والتي تربّت فيها أجيال من رجالات الدولة والمفكرين والمناضلين، لا يمكن أن تقبل اليوم ببرلمانيين لا يرفعون صوتهم إلا حين يكون ذلك ضد مصلحة المواطن، أو بآخرين يحوّلون قبة البرلمان إلى مسرح لالتقاط الصور و”البوز”.
المفارقة المؤلمة أنّ بعض النواب الذين التزموا الصمت الطويل، ولم يسمع لهم أهل فاس صوتاً في القضايا التي تهم المدينة من البطالة إلى السكن، ومن النقل إلى حيف توزيع الاستثمارات، ظهروا فجأة بمواقف تتناقض تماماً مع انتظار الناس. يتكلمون حين يكون الكلام موجهاً ضد المواطن، ويزايدون حين يكون المضمون لا يخدم سوى دوائر ضيقة. وكأن الولاية التشريعية تحوّلت لديهم إلى منصة لتسجيل الحضور السياسي الشخصي، لا للدفاع عن هموم آلاف الأسر التي سلّمتهم أصواتها بحثاً عن التغيير.
وليس العيب في أن يختلف البرلماني مع رأي أو حكومة أو معارضة، فهذا جزء من الممارسة السياسية الطبيعية. العيب أن يكون ظهوره المناسباتي دائماً على حساب المواطن، وأن يرفع صوته حين تكون الفرصة مواتية لخدمة موقعه، لا حين يكون الوقت مناسباً لخدمة مدينته. العيب أن يظل صامتاً حين يكون الناس في أمسّ الحاجة لصوت يمثّلهم، ثم يظهر فقط حين لا ينتظرون منه شيئاً.
وفي المقابل، يبرز جيل آخر من البرلمانيين الذين اختزلوا العمل التشريعي في “جلسات تصوير”. الكاميرا أصبحت جزءاً من الجلسات، والصور تُلتقط قبل أن يُقرأ التقرير، والمنشورات اليومية تُنشر قبل أن تُناقش الملفات. كأن العمل البرلماني أصبح مشهداً سينمائياً، وكأن الحضور الحقيقي يُقاس بعدد اللايكات لا بقوة الاقتراحات. لكن المواطن لا يهمه أن يرى نائبه جالساً في القاعة، بل يهمه أن يسمع صوته وهو يترافع على مشاكل النقل والصحة والتعليم، وعلى تهميش بعض الأحياء، وعلى غياب الاستثمار، وعلى التفاوتات الاجتماعية التي تخنق المدينة.
فاس ليست مدينة يمكن التعامل معها بمنطق التسويق السياسي أو الاستعراض الرقمي. إنها مدينة تختبر صدق ممثليها بسرعة، وتفرز من يخدمها ومن يخدم نفسه. وهي اليوم تحتاج إلى برلمانيين يحملون الملفات لا الهواتف، ويشتغلون بالهدوء لا بالضجيج، ويظهرون بالأثر لا بالصورة. تحتاج إلى وجوه تضع فاس فوق كل اعتبار، وتجعل من قبتها أفقاً للدفاع، لا خلفية لجلسة تصوير.
إن المواطن الفاسي لا يطلب الكثير. يطلب فقط من يمثله فعلاً، من يشعر به، من يرفع صوته حين يجب أن يُرفع، من يصطدم من أجله، ويحارب من أجل أن تأخذ المدينة مكانها الطبيعي في الخريطة الوطنية. العمل السياسي ليس استعراضاً ولا صمتاً إستراتيجياً ولا “بوزاً” رقمياً. هو مسؤولية ووفاء. وفاس تستحق تمثيلية شجاعة ونظيفة، وتستحق نواباً يثبتون بأن صوته لم يذهب عبثاً.
في النهاية، الصورة تُنسى… أما الموقف فيبقى.

