المغرب360 : محمد غفغوف
ليست خرجة محمد أوزين الأخيرة تحت قبة البرلمان حدثًا عابرًا في روزنامة الجلسات التشريعية، ولا مجرد لحظة انفعال سياسي عابرة، بل هي فعل سياسي محسوب أعاد خلط أوراق كثيرة، ورفع منسوب الانتباه إلى حزب الحركة الشعبية في أفق الاستحقاقات المقبلة. فحين يختار أمين عام حزب عريق أن يضع إصبعه على جرح “فراقشية الإعلام والصحافة”، فهو يدرك جيدًا أن كلماته ستُوجِع، وأن صدى مواقفه سيتجاوز جدران البرلمان إلى عمق الرأي العام.
أوزين لم يهاجم الإعلام كسلطة رابعة، بل فضح سلوكيات مشوّهة تسللت إلى جسد المهنة، حيث تحوّل بعض المنتسبين إليها إلى سماسرة مواقف، ووسطاء ابتزاز، وأبواق تلميع مدفوعة الثمن. وهو بذلك قال ما يتجنّبه كثيرون، وواجه ما يخاف آخرون الاقتراب منه: شبكة المصالح التي تتغذى من المال العمومي وتستثمر في الصمت أو في التهليل الزائف.

منذ اصطفاف الحركة الشعبية في المعارضة، اختار محمد أوزين خطًا واضحًا: معارضة صاخبة، غير مُهادِنة، لا تبحث عن “رضا” الحكومة ولا عن فتات التوافقات الهجينة. مداخلاته في ملفات اجتماعية، اقتصادية، وإعلامية، كشفت أن الرجل لا يلعب دور المعارضة الشكلية، بل يمارس معارضة تُزعج، وتُحرج، وتكسر منطق “التدبير بلا مساءلة”.
ولعل أكثر ما يُقلق الأغلبية الحكومية ليس حدّة لغة أوزين فقط، بل شعبيته المتنامية خارج الحسابات الحزبية الضيقة. فالرجل يتحدث بلغة مباشرة، مفهومة، خالية من الخشب السياسي، ويضع نفسه في موقع المدافع عن المواطن ضد تحالف المال والنفوذ والرداءة. وهذا بالضبط ما يفسّر الهجوم غير المعلن الذي يتعرض له، ومحاولات التقليل من مواقفه أو شيطنتها.

إن انتقاد “فراقشية الإعلام” ليس اعتداءً على الصحافة، بل دفاع عنها. لأن أخطر ما يهدد الإعلام المغربي اليوم ليس النقد، بل التطبيع مع الرداءة، والسكوت عن الارتزاق، وتحويل الدعم العمومي إلى غنيمة خاصة. وأوزين، حين قال ذلك تحت القبة، كان يعلم أنه يفتح جبهة حساسة، لكنه فعلها بوعي سياسي وبكلفة محسوبة.
باختصار، ما وقع في البرلمان ليس مجرد “خرجة”، بل رسالة سياسية واضحة: الحركة الشعبية عادت لتُسمَع، وأمينها العام قرر أن يكون شوكة في خاصرة المستفيدين من الصمت، ومن تواطؤ بعض الواجهات الإعلامية. وفي زمن يبحث فيه المواطن عن صوت صادق، قد تكون هذه الجرأة هي رأس مال الحزب الحقيقي في الاستحقاقات المقبلة.

