فاس : المغرب360
في إطار تحوّلً نوعيً في مقاربة تدبير ملفات الصناعة التقليدية بجهة فاس-مكناس، احتضنت غرفة الصناعة التقليدية لقاءً تشاوريًا رفيع المستوى مع ممثلي جمعية الميكانيك والمطالة والتلحيم، خُصّص لبحث الاختلالات البنيوية التي تعيق تطور قطاع الخدماتيين، وعلى رأسها إشكالية الأحياء الحرفية والتكوين المهني المتخصص.
اللقاء، الذي ترأسه السيد ناجي فخاري، رئيس الغرفة، بحضور نائبه الثالث السيد محمد بوركيزة وعضوي الغرفة كمال فهمي ورشيد حليلي، إضافة إلى إطار عن مصلحة التنشيط الاقتصادي والهيئات الحرفية وشؤون الصناع، شكل مناسبة لإعادة فتح ملف ظل لسنوات مؤجلاً، رغم ثقله الاجتماعي والاقتصادي داخل النسيج الحرفي بالجهة.
وأجمع ممثلو المهنيين خلال اللقاء على أن غياب أحياء حرفية مهيكلة ومخصصة لقطاع الخدماتيين ـ خصوصًا الميكانيك بنوعيه والمطالة والتلحيم ـ يمثل عائقًا رئيسيًا أمام تنظيم المهنة وتطويرها. فهذه الشريحة، التي تضم وحدها بمقاطعة زواغة أكثر من 600 وحدة حرفية، تشتغل في ظروف غير ملائمة، داخل أحياء سكنية أو فضاءات غير مهيأة، بما يخلق إشكالات قانونية وبيئية وتنظيمية مزمنة.
ووفق المتدخلين، فإن استمرار هذا الوضع يهدد استقرار آلاف الأسر، ويحدّ من قدرة المهنيين على الاستثمار والتحديث، ويضعف مساهمة هذا القطاع في الدورة الاقتصادية المحلية.
التكوين… الحلقة الضعيفة في سلسلة التأهيل
إلى جانب مشكل العقار، برزت إشكالية التكوين كأحد أعطاب المنظومة، خصوصًا في تخصصات دقيقة وذات طلب متزايد مثل الهيدروليك وميكانيك الشاحنات. فقد عبّر المهنيون عن عدم ملاءمة العروض التكوينية الحالية مع التحولات التقنية التي يعرفها القطاع، ما ينعكس سلبًا على جودة الخدمات وعلى قابلية المقاولات الحرفية للمنافسة.
وفي نفس الإطار، شدد رئيس الغرفة على أن التكوين لم يعد ترفًا، بل شرطًا أساسيًا لضمان استدامة المهن الخدماتية، داعيًا إلى إعادة هندسة البرامج التكوينية وفق الحاجيات الحقيقية للميدان، مع تعزيز التكوين المستمر ورفع مستوى التأطير التقني.
اللافت في هذا اللقاء لم يكن فقط تشخيص الأعطاب، بل الانتقال إلى منطق الحلول. فقد عرض السيد ناجي فخاري مجموعة من المقترحات العملية، في مقدمتها العمل على تعبئة وعاء عقاري ملائم لإحداث حي حرفي خدماتي يستجيب لمتطلبات المهن الحديثة، ويوفر شروط السلامة، التنظيم، والنجاعة الاقتصادية.
كما أكد أن الغرفة لن تكتفي بدور الوسيط، بل ستضطلع بدورها الدستوري كمؤسسة اقتراحية وترافعية، من خلال الانخراط في شراكات مع مختلف المتدخلين من جماعات ترابية، وقطاعات وزارية، ومؤسسات التكوين.
ويعكس هذا اللقاء توجهًا جديدًا لغرفة الصناعة التقليدية بجهة فاس-مكناس، يقوم على القرب من المهنيين، والإنصات لانشغالاتهم، وبناء حلول مشتركة بدل الاكتفاء بالخطابات العامة. وهو ما يمنح، في نظر العديد من المتابعين، نفسًا جديدًا لمؤسسة ظلت لفترة طويلة تُتهم بالابتعاد عن هموم الصناع.
وبين أزمة الأحياء الحرفية وضرورة تحديث التكوين، يبدو أن قطاع الخدماتيين يقف اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة ترتيب بيته الداخلي، إذا ما تحوّلت هذه الوعود إلى سياسات وبرامج ملموسة على الأرض.

