بقلم : محمد غفغوف
ما وقع مؤخرًا في بعض القنوات الجزائرية ليس زلة مهنية عابرة، بل فضيحة إعلامية مكتملة الأركان، حين تم استضافة شخص يُقدَّم كـ“هاكر” والافتخار بأفعاله، رغم أن ما يُروَّج له مُجرَّم قانونًا عبر العالم، ولا يمتّ لا للإعلام ولا للأخلاق ولا للقانون بصلة. الأسوأ أن هذا الشخص سقط سريعًا في تناقضاته، واتضح أنه مجرّد كذّاب يبيع الوهم على المباشر.
الإشكال هنا لا يتعلق بالفرد، بل بالمنظومة التي منحته المنبر، وقررت تسويقه كبطل قومي، في مشهد يعكس إلى أي حد انحدر الإعلام الجزائري من نقل الخبر إلى تلميع الجريمة، ومن خدمة المواطن إلى تضليل شعب مغلوب على أمره، يُطلب منه أن يصفق لخرافة رقمية بدل أن يُسائل واقعه المؤلم.
حين تتحول القنوات الجزائرية إلى مسرح للدجل، فذلك ليس صدفة، بل خيار سياسي واضح: الهروب إلى الأمام، وصناعة عدو خارجي، وتغليف الفشل الداخلي بضجيج إلكتروني. تشجيع القرصنة لا يصنع قوة، واحتضان الكذب لا يبني دولة، بل يكشف إفلاسًا أخلاقيًا ومؤسساتيًا لا يمكن إخفاؤه مهما ارتفعت نبرة الصراخ.
الإعلام، في أي دولة محترمة، سلطة رقابية، لا بوق تحريضي. لكن في الجزائر، ومع الأسف، أصبح جزءًا من الأزمة، يبرر الرداءة، ويُقنّن التفاهة، ويُقدّم المجرم في صورة “خبير”، فقط لأن الحقيقة أصبحت عبئًا ثقيلاً على نظام يرفض المصارحة.
ما نراه اليوم يؤكد حقيقة مرة:
دولة لا تحترم عقول شعبها، ستلجأ حتمًا إلى تسويق الأوهام. ودولة تجعل من شاشاتها منصة للكذب، لا يحق لها أن تتحدث عن القيم، ولا عن السيادة، ولا عن الأخلاق.
التاريخ لا يُكتب بالقرصنة، ولا بالكذب، ولا بالضجيج الإعلامي.
التاريخ يُكتب بالصدق، وبناء الداخل، واحترام المواطن… وكل ما عدا ذلك، مجرد عرض هزيل سرعان ما يسقط أمام أول اختبار للحقيقة.

