إقليم مولاي يعقوب : محمد غفغوف
في تحرك يحمل دلالات عميقة تتجاوز بعدها الإداري البسيط، شهد إقليم مولاي يعقوب خلال الأيام الأخيرة قرارًا لافتًا تمثل في نقل قائدة قيادة عين الشقف إلى مقر العمالة دون إسناد مهام ميدانية جديدة لها، وهو إجراء يقرأه متتبعون للشأن المحلي باعتباره حلقة جديدة في سلسلة القرارات الصارمة التي يقودها عامل الإقليم في إطار حربه المفتوحة على مظاهر التسيب العمراني والفساد الترابي الذي ظل لسنوات ينخر بنية الجماعات القروية المحيطة بمدينة فاس.
فالقرار، حسب مصادر مطلعة، لم يكن تقنيًا أو معزولًا عن السياق العام، بل جاء بعد تقارير داخلية دقيقة رصدت اختلالات في تدبير ملفات التعمير ومراقبة المجال، خاصة في واحدة من أكثر الجماعات حساسية من حيث الضغط الديمغرافي والتوسع العمراني غير المنظم، حيث تحولت عين الشقف إلى بؤرة سوداء لتنامي البناء العشوائي والتجزئات السرية واستغلال الأراضي الفلاحية خارج الضوابط القانونية، في ظل شبكة معقدة من المصالح المتشابكة بين سماسرة العقار وبعض المنتخبين ووسطاء الإدارة.
ومنذ توليه المسؤولية، جعل محمد سمير الخمليشي عامل إقليم مولاي يعقوب من محاربة هذه الظواهر أولوية مطلقة، فأعطى تعليمات صارمة لرجال السلطة بضرورة تطبيق القانون دون انتقائية أو تمييز، وأشرف شخصيًا على حملات هدم واسعة طالت بنايات مخالفة وتجزيئات غير مرخصة، في رسالة واضحة مفادها أن مرحلة التساهل انتهت وأن زمن الإفلات من المحاسبة قد ولى، وهو ما جعله يصطدم بلوبيات قوية اعتادت العمل في الظل واستثمار ضعف الرقابة لتكديس الأرباح على حساب سلامة المجال وحقوق المواطنين.
وفي هذا الإطار، يندرج قرار نقل قائدة عين الشقف كإشارة قوية داخل الجهاز الإداري بأن رجل السلطة لم يعد محميًا بالمنصب، وأن التقصير أو التراخي في مواجهة خروقات التعمير سيواجه بإجراءات عملية لا تكتفي بالتنبيه أو التوبيخ، بل قد تصل إلى الإبعاد عن الميدان، في إطار فلسفة جديدة قوامها ربط المسؤولية بالمحاسبة وربط السلطة بالأداء الفعلي لا بالولاءات أو العلاقات.
كما يعكس هذا القرار إرادة واضحة في إعادة الاعتبار لوظيفة رجل السلطة كممثل للدولة وحارس للقانون، لا كوسيط للتوازنات المحلية أو طرف في شبكات النفوذ غير المعلنة، خاصة في إقليم يعرف تحولات عمرانية سريعة تجعله مهددًا بفوضى ترابية حقيقية إذا لم يتم ضبطها بمنطق استباقي صارم.
وما يجري اليوم في إقليم مولاي يعقوب يمكن اعتباره انتقالًا فعليًا من مرحلة التدبير الإداري الرمادي إلى مرحلة الحكامة الصلبة، حيث لم يعد مقبولًا أن تتحول الجماعات إلى فضاءات مفتوحة للبناء غير القانوني والريع العقاري تحت أعين السلطة، بل أصبح المطلوب هو فرض سلطة القانون حتى في أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا. لذلك، فإن نقل قائدة عين الشقف لا يشكل نهاية ملف بقدر ما يمثل بداية مرحلة جديدة عنوانها أن الإصلاح الترابي لم يعد شعارًا خطابيًا، بل ممارسة يومية مكلفة سياسيًا وإداريًا، يقودها عامل اختار الاصطفاف إلى جانب الدولة العميقة في معناها الإيجابي: دولة النظام، دولة القانون، ودولة حماية المجال العام من العبث والفساد.

