الدارالبيضاء: المغرب360
في زمن يُفترض أن تتعزز فيه الثقة بين المواطن والمؤسسات، يثير تواتر حملات التشكيك التي تستهدف نائب عمدة الدار البيضاء، عبداللطيف الناصري، سؤالًا جوهريًا حول الفاصل بين النقد المشروع والتشهير، وبين الصحافة كسلطة مساءلة والصحافة كأداة ضغط.
فلا أحد يجادل في حق الإعلام في مراقبة الشأن العام، ولا في خضوع المسؤولين العموميين للنقد والمحاسبة، لكن هذا الحق لا يكتمل إلا باحترام قواعد أساسية: التحقق، الإنصاف، وحق الرد. وهي قواعد يبدو أنها غابت في عدد من المنشورات التي لجأت إلى الإيحاء بدل المعلومة، وإلى الاتهام بدل السؤال.
تدوينة عبداللطيف الناصري الأخيرة لم تكن هجومًا ولا تهديدًا، بل تنبيهًا إلى خطورة تحويل الافتراضات إلى “حقائق” متداولة، خصوصًا في ما يتعلق بما سُمي بـ«مشروع مركز الألعاب الإلكترونية»، وهو ما نفى المعني بالأمر أي صلة له به، تنظيمية كانت أو تدبيرية أو مالية، دون أن يُقابل هذا النفي بأي معطى موثق يناقضه.
الأمر نفسه ينسحب على مهرجان مواهب الدار البيضاء للثقافة والفنون المحلية، الذي حقق إشعاعًا وتفاعلًا ملحوظين، غير أن بعض الأقلام اختارت التقليل من قيمته دون تقييم مهني أو قراءة موضوعية، في خلط واضح بين الموقف الشخصي والخبر.
الإشكال هنا لا يتعلق بمضمون النقد بقدر ما يتعلق بمنهجه: غياب التواصل مع المعني بالأمر، تضخيم معطيات غير مؤكدة، والخلط بين الرأي والتحقيق. وهي ممارسات تُفرغ الصحافة من بعدها التنويري وتحولها إلى محكمة افتراضية.
الدفاع عن عبداللطيف الناصري لا يعني منحه صك براءة، بل الدفاع عن مبدأ دستوري بسيط: المحاسبة تكون عبر المؤسسات والمساطر القانونية، لا عبر حملات رقمية عابرة. كما أن الإشارة إلى تعرضه لضغوط بسبب مواقفه – إن ثبتت – تفتح نقاشًا مقلقًا حول توظيف الإعلام كوسيلة ابتزاز رمزي.
القضية، في العمق، تتجاوز شخصًا بعينه، وتمس مستقبل النقاش العمومي في المغرب:
إما صحافة مسؤولة تُنير الرأي العام، أو منصات تُدين دون دليل.
وفي انتظار كلمة المؤسسات المختصة، يبقى الإنصاف شرطًا أخلاقيًا لا غنى عنه: أن يُحاكم المسؤول بالأفعال لا بالإشاعات، وبالوقائع لا بالانطباعات، وبالقانون لا بالعناوين.

