فاس : المغرب360
في زمنٍ تتقلص فيه مساحة الجرأة داخل الحقول الحزبية، ويغدو الصمت أحياناً شرطاً غير معلن للاستمرار في “المنظومة”، يخرج المستشار الجماعي حكيم ابن سلام برأي صريح ومشحون بالدلالة، يلامس فيه جرحاً عميقاً في الجسد السياسي المغربي: أزمة الأحزاب مع مناضليها، وأزمة السياسة مع معناها.
النص الذي نشره ابن سلام على صفحته الفيسبوكية ليس مجرد “تدوينة غضب”، بل بيان سياسي مكثف بلغة أدبية لاذعة، يعكس وعياً نقدياً نادراً داخل المجالس المنتخبة. فهو لا يهاجم خصوماً سياسيين، ولا يصفي حسابات ظرفية، بل يوجه سهامه إلى بنية داخلية مريضة: قيادات حزبية اختزلت السياسة في حسابات المقاعد، وحولت التنظيمات إلى آلات انتخابية صماء، تشتغل بمنطق “الشيخة والطبال” بدل منطق الفكر والنقاش.
قيمة هذا الرأي لا تكمن فقط في مضمونه، بل في سياقه وصاحبه. حكيم ابن سلام ليس معارضاً خارج النسق، بل منتخب داخل مؤسسة رسمية، يمارس السياسة من داخلها، ويتحمل كلفة النقد العلني، في زمن يفضل فيه كثير من المنتخبين لغة التوافق المصلحي، أو الصمت المريح. الرجل ينتمي إلى فئة نادرة من السياسيين الذين لم يقطعوا حبلهم السري مع الثقافة، والذين ما زالوا يرون في السياسة مجالاً للتفكير لا مجرد مهنة موسمية.
في مقاله، يضع ابن سلام إصبعه على جوهر المأزق: إقصاء المناضل من القرار. فالمناضلون، في نظره، تحولوا إلى “گازوال انتخابي”، يُستعملون وقت الحاجة، ثم يُرمى بهم في “رصيف الصمت” بعد انتهاء الحملة. وهو تشخيص يطابق إلى حد كبير ما تعيشه أغلب الأحزاب المغربية اليوم: تنظيمات تتجمد بين الاستحقاقات، وتنتعش فقط مع اقتراب الانتخابات، وتستبدل النقاش الداخلي الحقيقي بـ”صالونات مغلقة” تُدار فيها التزكيات والصفقات.
الأخطر في هذا المسار، كما يلمح النص، ليس فقط فقدان الثقة، بل الهجرة السياسية التي بدأت تتخذ شكل “ميركاتو حزبي”، حيث يغادر المناضلون أحزابهم بحثاً عن فضاءات أكثر إنسانية وأقل تسليعاً للانتماء. وهي هجرة لا تعبر بالضرورة عن خيانة للأفكار، بل عن رفض لأسلوب التدبير، ولعقلية تعتبر التنظيم ملكية خاصة لا فضاءً عمومياً.
اللافت في خطاب ابن سلام أنه لا يسقط في الشعبوية ولا في العدمية. فهو لا يدعو إلى هدم الأحزاب، بل إلى استرجاع روحها الأصلية: فضاءات للنقاش، ومختبرات للأفكار، ومدارس للتأطير. يستحضر النموذج اليساري لا كمرجعية إيديولوجية صلبة، بل كثقافة سياسية تعتبر النقد قيمة، والاختلاف ثروة، والسؤال المزعج ضرورة.
في العمق، يطرح المستشار سؤالاً مركزياً يتجاوز فاس إلى كل المغرب:
هل الحزب أداة لعبور الانتخابات، أم مؤسسة لبناء الوعي السياسي؟
بين هذين الخيارين يتحدد مصير التجربة الحزبية، ويتحدد أيضاً موقع النخبة داخلها: إما فاعلاً نقدياً، أو ديكوراً تنظيمياً في “صالون الحلاقة والتجميل السياسي”.
إن حكيم ابن سلام، بهذا الرأي، لا يقدم فقط نقداً، بل يمارس فعلاً سياسياً نبيلاً في حد ذاته: قول الحقيقة من داخل المؤسسة. وهو سلوك نادر في زمن تُكافأ فيه الطاعة أكثر من الفكر، ويُخاف فيه من السؤال أكثر مما يُخاف من الفساد.
لهذا، يمكن القول إن قيمة ابن سلام لا تكمن فقط في كونه مستشاراً معارضاً، بل في كونه سياسياً مثقفاً، ما زال يؤمن أن السياسة ليست لعبة مواقع، بل معركة معنى. وأن الانتماء الحزبي ليس بطاقة عبور، بل مسؤولية أخلاقية تجاه التنظيم والمجتمع والتاريخ.

