فاس : محمد غفغوف
مدينة بحجم التاريخ… تُدار بمنطق التوتر، هكذا بدت فاس مرة أخرى خلال أشغال دورة ماي لمجلس الجماعة، وهي تتابع مشهدًا سياسيًا متشنجًا داخل مؤسسة يُفترض أن تكون فضاءً للنقاش الرصين وصناعة القرار المحلي، لا ساحة مفتوحة للانفعال وتبادل الرسائل السياسية. فالعاصمة العلمية، المثقلة أصلًا بملفات البنية التحتية والاختناق الحضري وتراجع بعض الخدمات الأساسية، كانت تنتظر من مجلسها الجماعي نقاشًا عميقًا يُلامس انتظارات الساكنة ويقدم أجوبة عملية، غير أن أجواء التوتر التي طبعت جزءًا من الدورة أعادت إلى الواجهة سؤال الحكامة السياسية وطريقة تدبير الخلاف داخل المؤسسة المنتخبة.
وعرفت دورة ماي مناقشة عدد من الملفات الحيوية المرتبطة بتدبير الشأن المحلي، من بينها الدراسة والمصادقة على إحداث شركة التنمية المحلية “فاس مدينة خضراء”، إلى جانب مشاريع مرتبطة بالتهيئة الضوئية والإنارة العمومية والتجزئات السكنية، فضلاً عن ملفات تهم فتح وتوسعة طرق جديدة ونزع الملكية بعدد من مناطق المدينة. كما ناقش المجلس مشاريع ذات صلة بالتهيئة العمرانية والاستعدادات المرتبطة بكأس العالم 2030، خاصة ما يتعلق بالمنطقة المحيطة بالمركب الرياضي بفاس بطريق صفرو، إضافة إلى اتفاقيات شراكة ثقافية ورياضية واجتماعية مع عدد من المؤسسات والجمعيات.
لكن، ورغم أهمية النقط المدرجة ضمن جدول الأعمال، فإن النقاش السياسي طغى مجددًا على جزء من أشغال الدورة، في مشهد يعكس استمرار حالة الاحتقان داخل مجلس جماعة فاس، وسط شد وجذب متواصل بين الأغلبية والمعارضة مع اقتراب نهاية الولاية الانتدابية.

العمدة عبد السلام البقالي بدا في أكثر من لحظة متأثرًا بحدة النقاش السياسي، في وقت يفترض فيه أن يكون رئيس المؤسسة المنتخبة أكثر قدرة على احتواء الاختلاف وتدبير التوتر بروح مؤسساتية تليق بمدينة بحجم فاس وتاريخها السياسي والإداري، فالعمل الجماعي لا يُقاس فقط بتمرير المشاريع والاتفاقيات، بل أيضًا بمدى القدرة على الإنصات للرأي المخالف وتدبير النقاش العمومي بهدوء واتزان، بعيدًا عن العصبية وردود الفعل المتسرعة التي تمنح المعارضة، تلقائيًا، هامشًا أوسع للتموقع السياسي والإعلامي.
وفي المقابل، تواصل المعارضة ممارسة دورها الرقابي والسياسي داخل المجلس، مستثمرة أجواء التوتر لطرح أسئلة محرجة حول حصيلة التدبير الجماعي ومدى قدرة الأغلبية على مواكبة انتظارات الساكنة، خاصة في ملفات ترتبط بالنظافة والبنية التحتية والتنقل والتهيئة الحضرية، وهو حق مشروع تؤطره قواعد العمل الديمقراطي، مهما بلغت حدة الاصطفاف السياسي داخل المجلس.
وفي تصريح أدلى به لوسائل إعلام محلية، أكد رئيس جماعة فاس أن استمرار أشغال الدورة يظل مرتبطًا بتوفر النصاب القانوني، قائلاً: “لا يمكن مواصلة الدورة بحضور 20 عضوًا فقط، في حين يتكون المجلس من 91 عضوًا، إذ يشترط القانون حضور ما لا يقل عن نصف الأعضاء، ونلتمس العذر من جميع الأخوات والإخوان.”

في إشارة إلى إشكالية الحضور واكتمال النصاب القانوني، وهي معطيات تعكس بدورها حجم الإرباك الذي بات يطبع تدبير بعض محطات المجلس الجماعي.
وتبقى المفارقة الكبرى، أن فاس، وهي المدينة التي تستعد لاستحقاقات كبرى مرتبطة بمشاريع التهيئة والتحول الحضري في أفق 2030، تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى خطاب سياسي هادئ وإلى مؤسسة منتخبة قادرة على إنتاج الحلول والتوافقات، لا إلى مزيد من التوتر الذي يُعمّق فجوة الثقة بين المواطن والشأن المحلي.
ومع اقتراب العد العكسي لنهاية الولاية، يبدو أن حرارة التجاذب السياسي مرشحة للارتفاع أكثر داخل مجلس جماعة فاس، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت حضوره وتسجيل النقاط قبل الاستحقاقات المقبلة. غير أن السؤال الذي يظل معلقًا وسط كل هذا الصخب هو: هل تتحول دورات المجلس إلى معارك سياسية عابرة، أم إلى لحظات حقيقية لإنقاذ مدينة تنتظر الكثير من منتخبيها؟.

