فاس : محمد غفغوف
تنعقد غداً الثلاثاء دورة ماي لجماعة فاس في أجواء سياسية وتنظيمية دقيقة، بعد السقوط المحرج لدورة الأسبوع الماضي بسبب عدم اكتمال النصاب، في مشهد لم يعد بالإمكان اعتباره مجرد “حادث عابر”، بقدر ما أصبح مؤشراً واضحاً على وجود خلل عميق داخل الأغلبية المسيرة للمجلس.
الأمر اللافت أن الغياب لم يكن فقط من المعارضة، بل من مستشارين محسوبين على الأغلبية نفسها، ومن بينهم أعضاء من حزب الرئيس، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حقيقية حول طبيعة العلاقة التي أصبحت تربط رئاسة المجلس بمكونات أغلبيتها.
وحسب ما يتم تداوله داخل الكواليس، فإن عدداً من المنتخبين باتوا يطرحون سؤالاً بسيطاً لكنه محرج: ما جدوى حضور دورات لا يسبقها أي تواصل أو تنسيق أو نقاش جدي حول النقط المدرجة في جدول الأعمال؟
فمن غير المنطقي أن يتحول المنتخب إلى مجرد رقم داخل قاعة الجلسات، دون إشراك فعلي في صناعة القرار أو حتى الاستماع إلى آرائه وملاحظاته.
الأكثر إثارة للانتباه، أن هذا الإحساس بالعزلة لا يقتصر فقط على بعض مستشاري الجماعة، بل يمتد كذلك إلى رؤساء المقاطعات الست، الذين يعيش عدد منهم حالة تذمر صامت بسبب غياب التنسيق والتواصل مع رئاسة المجلس، في وقت كان من المفروض أن تشكل فيه فاس نموذجاً جماعياً في التدبير والتعاون المؤسساتي.
فبعد مرور ما يقارب خمس سنوات، يتساءل متتبعون للشأن المحلي: كيف يمكن الحديث عن أغلبية منسجمة دون عقد لقاء سياسي وتنظيمي موسع لتقييم الحصيلة، وتشخيص الإكراهات، ومناقشة التعثرات والاختلالات؟
وكيف يمكن الحديث عن حكامة محلية حديثة في ظل غياب آليات التواصل الداخلي والتدبير التشاركي؟
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن بعض نواب الرئيس حاولوا، كل من موقعه، الاجتهاد والعمل وتحمل المسؤولية تجاه المدينة وساكنتها، غير أن منطق التدبير الفردي والانغلاق على دائرة ضيقة جعل هامش تحركهم محدوداً، بل ودفع بعضهم إلى اختيار الصمت أو الابتعاد، تفادياً لتحمل تبعات قرارات لا يشاركون فعلياً في صناعتها.
فاس اليوم لا تحتاج فقط إلى مشاريع وأوراش، بل تحتاج أولاً إلى إعادة بناء الثقة داخل مؤسساتها المنتخبة، وإلى عقلية سياسية تؤمن بأن قوة المجالس لا تقاس بعدد الأصوات فقط، بل بقدرتها على خلق الانسجام، وفتح قنوات الحوار، وتحويل المنتخبين إلى شركاء حقيقيين لا مجرد شهود على التدبير.
لأن أخطر ما قد تصل إليه المؤسسات، ليس وجود المعارضة… بل بداية تشكل معارضة صامتة من داخل الأغلبية نفسها.

