فاس : محمد غفغوف
ضمن التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، وما تفرضه من تحديات جديدة على مستوى حماية الذاكرة الجماعية وصيانة الموروث الحضاري، واصل “ملتقى ربيع أكدال دورة 2026” بمدينة فاس، اليوم الخميس 14 ماي، ترسيخ حضوره كفضاء علمي وثقافي للنقاش العمومي حول قضايا التراث والرقمنة، من خلال برمجة نوعية جمعت بين التكوين الأكاديمي والمقاربة العلمية متعددة التخصصات، تحت شعار: “أكدال.. نبض الحاضر بروح فاس العتيقة”.
الملتقى، الذي ينظمه مجلس مقاطعة أكدال تحت إشراف رئيس المجلس السيد محمد السليماني الحوتي الحسني، وبمتابعة من نائبيه السيدين عبد اللطيف رفوع وعبد السلام الدباغ مدير المهرجان، عرف حضور ثلة من الباحثين والأكاديميين والمهتمين بمجالات التراث الثقافي والرقمنة، إلى جانب مواكبة إعلامية وازنة عكست أهمية المواضيع المطروحة للنقاش.

وعرف اليوم الثاني من المهرجان تنظيم دورة تكوينية متخصصة حول موضوع: “رقمنة التراث الثقافي: أدوات حديثة لحفظ الذاكرة الجماعية”، أطرها الدكتور مراد الزكراوي، حيث شكلت محطة علمية لتقريب المشاركين من أحدث تقنيات الأرشفة الرقمية ومنهجيات التوثيق الإلكتروني للوثائق التاريخية، مع تقديم تطبيقات عملية مرتبطة بتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في معالجة الأرشيفات التاريخية وتصنيفها وحفظها وفق مقاربات رقمية حديثة.
كما تم خلال هذا اللقاء التكويني إبراز أهمية التحول الرقمي في تعزيز استدامة الذاكرة المؤسساتية والمحلية، خاصة عبر تقديم تجربة رقمنة أرشيف مقاطعة أكدال كنموذج عملي يبرز إمكانيات التكنولوجيا الحديثة في حماية الرصيد الوثائقي والثقافي لمدينة فاس.

وفي مساء يومه الخميس، احتضنت قاعة مقاطعة أكدال ندوة علمية تحت عنوان: “التحول الرقمي وحماية التراث الثقافي بمدينة فاس: التحديات والآفاق”، أدرتها باقتدار أكاديمي كبير الدكتورة سهام بلغيتي علوي، رئيسة لجنة الشؤون الثقافية والاجتماعية بالمقاطعة.
وشهدت الندوة تقديم مداخلات علمية قاربت إشكالية التراث الرقمي من زوايا تاريخية وقانونية وثقافية وتواصلية، مع التركيز على رهانات التوثيق الرقمي للأرشيف التاريخي، وآليات نقل الذاكرة الثقافية عبر الوسائط الرقمية، إضافة إلى مناقشة الإشكالات القانونية المرتبطة بحماية الملكية الثقافية في البيئة الرقمية، وسبل تعزيز السيادة الرقمية بما يضمن صون الحقوق الثقافية وحماية الموروث الحضاري للعاصمة العلمية.

وأكد المتدخلون، من خلال مقاربات أكاديمية متقاطعة، أن التحول الرقمي لم يعد خياراً تقنياً فحسب، بل أصبح رهاناً استراتيجياً مرتبطاً بحماية الهوية الثقافية وضمان استمرارية الذاكرة الجماعية في ظل الثورة الرقمية العالمية، مشددين على ضرورة إرساء سياسات عمومية مندمجة تجعل من الرقمنة أداة للتثمين الثقافي والتنمية المعرفية.
واختتمت فعاليات اليوم الثاني في أجواء احتفالية تم خلالها تكريم الأساتذة الباحثين والمحاضرين المشاركين، تقديراً لإسهاماتهم العلمية في إنجاح فقرات الملتقى، إلى جانب توزيع شواهد المشاركة على المستفيدين من الدورة التكوينية، والإعلان عن اختتام الفترة التدريبية للفوج الأول من طلبة شعبة التاريخ الذين استفادوا من تجربة ميدانية داخل أرشيف مقاطعة أكدال، في مبادرة تروم ربط التكوين الأكاديمي بالممارسة التطبيقية في مجالات الأرشفة والتوثيق وصيانة الذاكرة المحلية.
ويؤكد “ملتقى ربيع أكدال” من خلال برمجته الفكرية والثقافية المتنوعة سعيه إلى بناء جسور التفاعل بين التراث المحلي والتحولات الرقمية المعاصرة، بما يعزز مكانة فاس كحاضرة تاريخية وثقافية قادرة على مواكبة رهانات العصر الرقمي دون التفريط في عمقها الحضاري والرمزي.

