المغرب 360 : متابعة
لم يكن خروج عدد من القيادات والمناضلين من داخل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب نحو القضاء مجرد خطوة إجرائية عابرة، بل حمل معه مؤشرات على وجود احتقان داخلي بلغ مرحلة غير مسبوقة داخل واحدة من أعرق المركزيات النقابية بالمغرب. فبعد انتخاب يوسف علاكوش كاتبًا عامًا جديدًا للنقابة خلال المؤتمر الاستثنائي المنعقد بالرباط، اختار معارضوه سلك المسار القضائي للطعن في طريقة تدبير المؤتمر ومخرجاته، معتبرين أن الأمر لا يتعلق بخلاف شخصي، وإنما بإشكالات تنظيمية وقانونية تمس شرعية المسار الانتخابي.
ويأتي هذا التحرك في إطار يعرف فيه المشهد النقابي المغربي تحولات عميقة، حيث أصبحت الديمقراطية الداخلية، واحترام القوانين الأساسية، وشفافية المؤتمرات، من أبرز الرهانات التي تحدد مستقبل التنظيمات النقابية وقدرتها على تمثيل الشغيلة.
ويبدو أن انتخاب يوسف علاكوش على رأس الاتحاد العام للشغالين بالمغرب لم يضع حدًا للصراع الداخلي داخل هذه المنظمة النقابية، بل فتح فصلًا جديدًا من المواجهة بين تيارين: تيار يعتبر أن المؤتمر الاستثنائي مر في إطار قانوني وتنظيمي، وتيار آخر يرى أن هناك اختلالات شابت طريقة الإعداد والتدبير والتصويت.
القيادات التي قررت اللجوء إلى القضاء أوضحت أن خطوتها ليست موجهة ضد شخص بعينه، وإنما هي دفاع عن ما تعتبره “الشرعية التنظيمية”، معتبرة أن القضاء هو الجهة المخولة للحسم في النزاعات عندما يتعلق الأمر بمدى احترام القوانين والمساطر.
ومن بين الدوافع التي تقف خلف هذا الطعن، حسب ما عبر عنه أصحاب المبادرة، وجود ملاحظات مرتبطة بانتداب المؤتمرين، وطريقة تشكيل بعض الهياكل، ومدى احترام مبدأ التمثيلية داخل المؤتمر. وهي نقاط يرى أصحاب الطعن أنها تؤثر بشكل مباشر على سلامة العملية الانتخابية وعلى شرعية القرارات المنبثقة عنها.
كما أن جوهر الخلاف لا يبدو مرتبطًا فقط باسم الكاتب العام المنتخب، بل يمتد إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب: هل استطاعت المنظمة الحفاظ على تقاليدها الديمقراطية الداخلية؟ وهل تعكس قياداتها الجديدة
تطلعات مختلف مكوناتها؟
ويعتبر مراقبون للشأن النقابي أن مثل هذه النزاعات غالبًا ما تكون نتيجة تراكمات طويلة من الخلافات حول طرق التدبير، وتوزيع المسؤوليات، واحتضان مختلف الأصوات داخل التنظيم، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمنظمة لها تاريخ طويل وتأثير في الساحة الاجتماعية والسياسية.
في المقابل، فإن اللجوء إلى القضاء يحمل رسالة واضحة مفادها أن جزءًا من القاعدة النقابية لم يعد يرى أن الحسم في الخلافات الداخلية يتم فقط عبر الآليات التنظيمية، بل أصبح يطالب بضمانات قانونية خارجية تعيد ترتيب العلاقة بين القيادة والقواعد.
ويبقى الرهان الحقيقي أمام الاتحاد العام للشغالين بالمغرب هو تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر، لأن استمرار الانقسام الداخلي قد يضعف صورة النقابة في مواجهة الملفات الكبرى التي تهم الطبقة العاملة، في وقت يحتاج فيه العمل النقابي إلى وحدة الصف، وتجديد الثقة، وإعادة بناء جسور التواصل بين القيادة والمناضلين.
إن معركة الطعن في انتخاب الكاتب العام ليست فقط نزاعًا حول مؤتمر أو منصب، بل هي اختبار حقيقي لقدرة النقابة على تجديد نفسها، وترسيخ ثقافة الاختلاف، وجعل الشرعية التنظيمية أقوى من أي صراع للأشخاص.

