بقلم : ذ.أشرف أولاد الفقيه
كانت مدينة تطوان، لسنوات طويلة، واحدة من أبرز القلاع الانتخابية والنضالية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. غير أن نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 تضع الحزب أمام رقم انتخابي لافت: 634 صوتا فقط.
رقم لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد حصيلة انتخابية عابرة، بالنظر إلى الرصيد التاريخي للحزب داخل المدينة، كما أنه يفتح نقاشا واسعا حول أسباب هذا التراجع، ومدى انعكاسه على مستقبل الحضور الاتحادي، خصوصا في أفق الانتخابات الجماعية المقبلة.
634 صوتا.. ولكن أين توزعت؟
تكشف القراءة التفصيلية للنتائج أن الأصوات الاتحادية لم تتوزع بشكل متجانس بين مختلف مناطق مدينة تطوان.
ففي الأزهر حصل الاتحاد الاشتراكي على 207 أصوات، بينما سجل 55 صوتا بالمدينة العتيقة، و52 بمولاي المهدي، و68 بسيدي طلحة، و32 بالدرسة.
أما منطقة سيدي المنظري، فقد شكلت إحدى أهم نقاط حضور الحزب، بمجموع 240 صوتا، موزعة بين السواني بـ83 صوتا، والطوابل بـ74، وبوسافو بـ72، والمطار بـ11 صوتا.
وفي مناطق أخرى من المدينة، حصل الحزب على 187 صوتا، توزعت بين طابولة بـ34 صوتا، والحي المدرسي بـ56، وكويلمة وكرة السبع بـ52، وسمسة بـ45 صوتا.
وهكذا، فإن مجموع 634 صوتا يخفي وراءه خريطة انتخابية متفاوتة بشكل واضح، حيث يتركز جزء مهم من الأصوات في مناطق محددة، بينما تتراجع الحصيلة في مناطق أخرى.
من القلعة الاتحادية إلى التراجع الانتخابي
تكمن أهمية الرقم في مقارنته مع الصورة التاريخية للاتحاد الاشتراكي بمدينة تطوان.
فالحزب لم يكن مجرد فاعل سياسي عابر داخل المدينة، بل ارتبط اسمه بمرحلة طويلة من العمل النضالي والتنظيمي، ونجح في بناء علاقات مع قطاعات واسعة من المجتمع التطواني.
لكن الناخب تغير، والمدينة تغيرت، والمشهد السياسي تغير بدوره.
ولهذا يمكن اعتبار نتيجة 634 صوتا انتكاسة انتخابية للحزب محليا، ليس باعتبارها حكما نهائيا على مستقبله، وإنما بالنظر إلى الفارق بين هذا الرقم وبين المكانة التاريخية التي كان يحتلها الاتحاد الاشتراكي داخل تطوان.
والسؤال الذي تطرحه النتيجة اليوم هو: كيف انتقل الحزب من موقع القلعة الاتحادية إلى حضور انتخابي بهذا الحجم؟
سيدي المنظري والأزهر.. أين بقي الحضور؟
من بين المعطيات التي تستحق التوقف، حصول الحزب على 240 صوتا في سيدي المنظري مقابل 207 أصوات بالأزهر.
هاتان المنطقتان تمثلان معا جزءا كبيرا من مجموع الأصوات التي حصل عليها الحزب، وهو ما يطرح أسئلة حول طبيعة الحضور التنظيمي والسياسي المتبقي فيهما.
هل ما زالت هناك شبكات مناضلين وفاعلين محليين حافظت على جزء من القاعدة الانتخابية؟ وهل يرتبط الأمر بأسماء ووجوه محلية؟ أم أن طبيعة هذه المناطق الاجتماعية والانتخابية لعبت دورا في استمرار التصويت للاتحاد الاشتراكي؟
وفي المقابل، فإن أرقاما مثل 11 صوتا بالمطار، و32 بالدرسة، و34 بطابولة تفرض أسئلة أخرى حول مستوى حضور الحزب في بعض المناطق.
هذه الفوارق لا تقدم وحدها تفسير النتيجة، لكنها تمنح التنظيم المحلي خريطة واضحة يمكن الانطلاق منها لتحديد مناطق القوة والضعف.

الشباب.. الحلقة التي تستحق النقاش
من بين الأسئلة التي تفرض نفسها أيضا علاقة الاتحاد الاشتراكي بالجيل الجديد من الناخبين.
فالناخب الشاب اليوم يتفاعل مع السياسة بطرق مختلفة، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والحضور الميداني والخطاب المباشر عناصر مؤثرة في تشكيل الصورة السياسية للأحزاب.
ومن ثم، فإن مراجعة النتيجة لا ينبغي أن تقتصر على الجانب التنظيمي التقليدي، بل ينبغي أن تشمل أيضا الخطاب السياسي، وأساليب التواصل، وتجديد الوجوه والنخب، والقدرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة.
الانتخابات الجماعية.. الرهان الأصعب
قد يكون الاستحقاق الجماعي المقبل أحد أهم الاختبارات التي ستواجه التنظيم الاتحادي بمدينة تطوان.
صحيح أن نتائج التشريعيات لا يمكن إسقاطها بشكل مباشر على الانتخابات الجماعية، لأن طبيعة المنافسة مختلفة، ولأن التصويت الجماعي يتأثر بشكل أكبر بالمرشحين والعلاقات المحلية والحضور داخل الأحياء والعمل اليومي والقرب من المواطنين.
لكن في المقابل، فإن 634 صوتا تشكل مؤشرا سياسيا وتنظيميا لا يمكن تجاهله.
فالانتخابات الجماعية المقبلة ستجرى في مدينة لها خريطة سياسية متحركة، وأي حزب يرغب في استعادة حضور مؤثر سيحتاج إلى قراءة دقيقة للمعطيات الحالية، وإلى معرفة أين توجد قواعده الانتخابية، وأين فقد جزءا من حضوره، وكيف يمكن إعادة بناء الثقة.
هل انتهى زمن القلعة الاتحادية؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأبرز الذي تطرحه نتائج 23 شتنبر.
لكن الإجابة لا يمكن أن تكون بالقول إن الحزب فقد نهائيا موقعه داخل تطوان، كما لا يمكن اختزال مستقبله في نتيجة انتخابية واحدة.
فالنتائج الانتخابية تعكس لحظة سياسية محددة، بينما مستقبل الحزب يتوقف على عوامل متعددة، من بينها التنظيم، والقيادة المحلية، والمرشحون، والخطاب، والعمل الميداني، والقدرة على تجديد العلاقة مع الناخبين.
غير أن تجاهل دلالة الرقم سيكون أكثر صعوبة.
فـ634 صوتا في مدينة ارتبط اسمها تاريخيا بالحضور الاتحادي يمثل تراجعا يستحق الوقوف عنده، وتحليله بجرأة وموضوعية.
من المسؤول عن الرقم؟
ربما يكون السؤال الأكثر أهمية هو ألا يتحول النقاش إلى البحث عن شخص لتحميله مسؤولية النتيجة.
فالأرقام التي أفرزتها صناديق الاقتراع تحتاج إلى قراءة جماعية: تنظيميا، وسياسيا، وتواصليا وانتخابيا.
فوراء 634 صوتا هناك 634 ناخبا اختاروا الاتحاد الاشتراكي، وفي المقابل هناك آلاف الناخبين الذين اختاروا أحزابا أخرى.
وهنا تكمن الرسالة السياسية الأهم: الناخب التطواني لم يعد يمنح صوته بالضرورة استنادا إلى الرصيد التاريخي وحده، وإنما يتفاعل مع المرشح والخطاب والحضور والسياق السياسي العام.
ومن ثم، فإن نتيجة 23 شتنبر يمكن أن تكون إما مجرد محطة انتخابية عابرة، أو مناسبة لمراجعة عميقة لطريقة اشتغال الحزب داخل المدينة.
والفارق بين الاحتمالين لن تحدده الأرقام وحدها، وإنما كيفية قراءة هذه الأرقام والتعامل معها خلال المرحلة المقبلة.
634 صوتا ليست نهاية الاتحاد الاشتراكي في تطوان، لكنها بالتأكيد ليست رقما عاديا.
إنها نتيجة انتخابية تحمل معها أسئلة كبيرة حول حاضر الحزب، وحول موقعه داخل الخريطة السياسية للمدينة، وحول قدرته على استعادة حضور أكثر تأثيرا في الاستحقاقات الجماعية المقبلة.
بقلم: أشرف أولاد الفقيه

