بقلم : د أحمد الوجدي استاذ التعليم العالي بجامعة عبد المالك السعدي تطوان
إن ما نلاحظه من تراجع عادة قراءة الحزب الراتب، سواء تعلق الأمر بمساجد البوادي أو بالمدن، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد انحسار لشعيرة دينية جماعية، وإنما هو مؤشر على تحول أعمق طال بعض مظاهر التدين المغربي التي أسهمت تاريخيا في حفظ الثوابت ، فقد كانت قراءة الحزب الراتب ، إلى جانب عادة الشرط، والمعروف، وما ارتبط بذلك من مظاهر التضامن والتعاون، جزءا من منظومة اجتماعية ودينية متكاملة أصابها في السنوات الأخيرة ما أصابها من غياب عادة الشرط، والمعروف، و(نوبة الفقيه) و (التخنيشة)… والتراجع الكبير لقراءة الحزب الراتب، يكشف عن ضعف بعض القنوات التقليدية التي كانت تنقل هذه القيم التي توارثها اهل المغرب جيلا بعد جيل..
ونسجل على بعض مؤسسات التعليم العتيق عدم اضطلاعها بالدور المنتظر منها في الحفاظ على قراءة الحزب الراتب وترسيخه في نفوس الناشئة، مما يكشف عن فجوة بين الوظيفة العلمية والتربوية لهذه المؤسسات.
إن الحفاظ على الثوابت ينبغي ألا يقتصر على صيانتها في مستوى الخطاب الرسمي والادلاء بأرقام، بل يقتضي أيضا المحافظة على الممارسات الجماعية التي تجسدها في الحياة اليومية، مع تجديد أساليب تقديمها للأجيال الجديدة في زمن الذكاء الاصطناعي بما يحفظ جوهرها ويجعلها قادرة على الاستمرار في سياق اجتماعي متغير.
تُجمع الدراسات والأبحاث (عبد الرحمن بن خلدون- جاك بيرك – عابد الجابري – علي الوردي -…) أن المجتمع المغربي ارتبط بالقرآن الكريم ارتباطا عميقا، تجاوز حدود التلاوة الفردية إلى بناء أداء جماعي راسخ لا مثيل له، فلم يكن حفظ القران وتلاوته شأنا فرديا محضا، وإنما كان ممارسة جماعية متجذرة في المساجد والكتاتيب والزوايا والبيوت، توارثها أهل المغرب جيلاً بعد جيل.
ومن أبرز مظاهر الخصوصية المغربية في هذا الباب الحزب الراتب الى جانب العادات التي أشرنا إليها وكادت تُنسى، علما أنها تمثل المركزية الروحية للأمة المغربية، فالذي يقرأ الحزب الراتب يوميا أو يستمع إليه بصورة منتظمة يظل على صلة دائمة بالآيات والسور التي سبق له حفظها، مما يساعد على عدم اندثار المحفوظ أو ضعف استحضاره مع مرور الزمن.
إن قراءة الحزب الراتب من الخصائص اللافتة في التجربة المغربية ارتبطت عبر التاريخ بكيفية أداء متميزة، يعرفها أهل المغرب رجالا ونساء، صغارا وكبارا ويتوارثونها داخل المساجد حفظا وأداء.
وهذه الطريقة في الأداء هي التي جعلت للحزب الراتب هوية مغربية خاصة، بحيث يستطيع المغربي، في كثير من الأحيان، أن يتعرف على نمط قراءة الحزب بمجرد سماعه.
وينبغي ان لا ينظر إلى هذه الخصوصية باعتبارها مجرد شكل صوتي أو أسلوب في الأداء، بل باعتبارها جزءا من التراث غير المادي للأمة المغربية وحاملة لذاكرتها وهويتها.
غير أن المتتبع للمشهد الديني المغربي في زمننا هذا قد يلاحظ تحولات في طريقة أداء الحزب الراتب في بعض المساجد، والقنوات، سواء من حيث الإيقاع أو طريقة التلقي أو أسلوب القراءة الجماعية أو احترام الجاري به العمل عند أهل المغرب (إيقاع دخيل لا شرقي ولا غربي).
ولا يعني تسجيل هذه الملاحظة رفض كل تجديد أو تطور، فقراءة القرآن عرفت تاريخيا مدارس متعددة، كما أن اختلاف طرائق الأداء لا يمس قدسية القرآن ولا سلامة نصه ما دام الالتزام بالضوابط قائما.
ونرى أن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما تتحول التغييرات المتراكمة إلى قطيعة مع النمط الذي استقر في الذاكرة المغربية، بحيث يصبح الحزب الراتب الذي عرفه المغاربة لعقود طويلة شيئا مختلفا تماما عن الصورة التي توارثتها الأجيال، وهنا يبرز سؤال مشروع:
هل نحن أمام تطور طبيعي في طريقة أداء الحزب الراتب، أم أمام تراجع تدريجي للخصوصية المغربية في هذه الممارسة أم أمام قطيعة مع الحزب الراتب وغياب رفع شعيرة الأذان يومي الأربعاء والخميس في أغلب مساجد بوادي المغرب تحت مبرر عُطْلة أسبوعية للقيمين الدينيين !.
إن السؤال ينبغي ألا يُطرح من منطلق الرفض المسبق، وإنما من منطلق البحث العلمي في العلاقة بين التجديد والمحافظة، وبين الإنفتاح وصيانة الهوية، والبحث في أسباب غياب هذه القراءة أو عدم انتظامها في عدد كبير من مساجد المملكة؟ وهل يعكس ذلك تحولًا في وظيفة المسجد وفي علاقة الأجيال الجديدة بالموروث الديني، أم أن الأمر يرتبط بعوامل تنظيمية وتدبيرية وثقافية تستدعي إعادة النظر فيها؟
إن بناء مقاربة علمية متزنة، لا تعني الانغلاق على الذات، وإنما تعني إدراك أن بعض الممارسات الدينية اكتسبت قيمتها من استمراريتها التاريخية وقدرتها على ربط الأجيال بعضها ببعض، فإذا فقدت هذه الممارسة خصائصها المميزة بصورة تدريجية كما هو الحال في نازلتنا، فقد يبقى القرآن حاضرا، وقد تبقى التلاوة قائمة، لكن شيئا من الذاكرة الجماعية قد يضيع، ويصبح عرضة للاندثار أو التشويه، فلكل جهة من جهات المغرب لها اداؤها المتميز ويحمل في ايقاعه راحة تنزل على النفوس وتطمئن اليها القلوب….
لقد ظل شيخنا العلامة الدكتور سيدي محمد يسف متشبثا بالدفاع على قراءة الحزب الراتب بالصوت والإيقاع المغربيين الأصيلين، معتبرا ذلك مظهرا من مظاهر الخصوصية الدينية والثقافية للمغرب، وتجسيدا حيا لما توارثه المغاربة عن علمائهم ومشايخهم من طرائق متميزة في تلاوة القرآن الكريم.
واليوم وقد بدانا نسمع ونشاهد أداء دخيلا بعيدا عن الهوية المغربية الراسخة، يتعارض مع صون الإيقاع المغربي المألوف، الذي منح قراءة الحزب الراتب طابعها المميز ومكانتها في الذاكرة الجماعية للأمة المغربية.
ولا جدال في أن تلاوة القرآن الكريم مطالبة بمراعاة أحكام التجويد، غير أن التجويد شيء، وتغيير نمط الأداء الجماعي الموروث شيء آخر، إذ ينبغي أن لا تتحول قواعد التجويد إلى مدخل لمحو الخصوصية الصوتية والإيقاعية التي ميزت الحزب الراتب المغربي وحفظت له هويته، و أن الخلط بين تصحيح التلاوة وتغيير طريقة الأداء لا يمثل تطورا بالضرورة، بل قد يكون في بعض صوره قطيعة مع الذاكرة الدينية للأمة المغربية باسم المحافظة عليها، فالواجب ليس الاختيار بين التجويد والحزب الراتب، وإنما الجمع بين سلامة التلاوة وأصالة الطريقة، حتى لا يصبح ما توارثه المغاربة قرونا مجرد أثر من آثار الماضي.
د أحمد الوجدي استاذ التعليم العالي.
جامعة عبد المالك السعدي تطوان

