بقلم : د عبد العزيز العمراني
بمناسبة تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، كأول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المغرب، يعود إلى الواجهة سؤال يتجاوز رمزية الحدث نفسه. هل يعني وصول المرأة إلى السلطة بالضرورة أن تصبح السلطة أكثر رحمة أو أقل عنفا أو فسادا؟ التاريخ يقدم لنا تجارب نسائية في الحكم أظهرت أن المرأة قد تدخل مجالا صاغته، عبر قرون، قيم القوة والهيمنة، فتجد نفسها أحيانا لا تغير قواعده، بل تتبناها، وربما تبالغ في إثبات قدرتها على ممارستها.
هنا أتذكر عبد الله الغذامي ومشروعه في النقد الثقافي، ولا سيما حديثه عن ثنائية الفحولة والأنوثة. فالمشكلة، عند الغذامي، لا تختزل في الرجل بوصفه فردا، وإنما في النسق الثقافي المضمر الذي يتسلل إلى الوعي ويعيد إنتاج نفسه حتى على ألسنة من كانوا ضحاياه. ولهذا يطرح في كتابه “المرأة واللغة” سؤالا بالغ الدلالة. هل يكون طريق المرأة إلى فضاءات احتكرها الرجل طويلا هو أن تتصرف وفق شروطه، أي أن تسترجل ثقافيا؟ وهنا تكمن المفارقة. قد تصل المرأة إلى السلطة، لكنها تحمل معها رواسب السلطة ذاتها. وقد تنتصر المرأة سياسيا، دون أن تنتصر بالضرورة للأنوثة بوصفها اختلافا في القيم والحساسية والرؤية. فالنسق أقوى أحيانا من جنس من يمارس السلطة.
ولعل تجربة مارغريت تاتشر تقدم مثالا لافتا. فقد كانت أول امرأة ترأس الحكومة البريطانية، لكنها لم تقدم نفسها بوصفها ممثلة لمشروع نسوي، بل ارتبط اسمها بلقب المرأة الحديدية وبسياسات اقتصادية واجتماعية دخلت في صدام حاد مع النقابات والطبقة العاملة، وانتقدت كذلك بسبب مواقفها وسياساتها تجاه قضايا النساء العاملات والأمومة ورعاية الأطفال. كما قادت بريطانيا خلال حرب الفوكلاند سنة 1982. لقد وصلت امرأة إلى قمة السلطة، لكن ذلك لم يعني بالضرورة حضورا أقوى لقضايا النساء داخل السلطة.
أما أنديرا غاندي، فقد ارتبطت فترة الطوارئ في الهند بين 1975 و1977 بتقييد الحريات والاعتقالات والقمع وانتهاكات واسعة للحقوق. وفي بنغلاديش، تقدم تجربة الشيخة حسينة مثالا آخر على هذه المفارقة، إذ انتهت المرحلة الأخيرة من حكمها وسط قمع دموي لاحتجاجات 2024 وانتهاكات جسيمة وثقتها تقارير حقوقية دولية. أما أونغ سان سو تشي في ميانمار، التي كانت رمزا عالميا للديمقراطية وحصلت على جائزة نوبل للسلام، فقد أصبحت لاحقا موضع انتقاد دولي واسع بسبب موقف حكومتها من الفظائع التي تعرض لها مسلمو الروهينغا.
لكن القضية هنا ليست إدانة المرأة، ولا الادعاء بأن النساء أكثر استبدادا أو عنفا من الرجال، فهذا سيكون مجرد إعادة إنتاج لصورة نمطية أخرى. والتاريخ الذي صنعه الرجال في السلطة مليء بالحروب والاستبداد والمجازر. القضية أعمق من ذلك. هل يكفي أن نستبدل الرجل بالمرأة في مواقع السلطة إذا ظلت الثقافة التي تنتج السلطة كما هي؟
وهنا تكمن أهمية النقد الثقافي. فالنسق الذكوري لا يحتاج دائما إلى رجل كي يعيد إنتاج نفسه. قد تستبطنه المرأة نفسها، وقد تجد أن طريقها لإثبات أهليتها للقيادة يمر عبر إظهار المزيد من الصلابة والقوة والحزم، وكأن عليها أن تثبت أنها تستطيع أن تكون أكثر رجولة من الرجال. إن حضور المرأة في السياسة لا ينبغي أن يعني أن تصبح نسخة أخرى من الرجل السلطوي حتى تثبت أنها قوية. نحتاج إلى امرأة تدخل السلطة وهي محتفظة باختلافها وحساسيتها، وبقدرتها على الدفاع عن قضايا النساء والأسرة والطفولة، وعن قيم العدالة والكرامة والإنسان. فالأنوثة ليست ضعفا، والرحمة ليست نقيضا للحزم، والقيادة لا تحتاج دائما إلى وجه حديدي.
ومن هنا تكتسب تجربة فاطمة الزهراء المنصوري أهميتها. فأن تصبح امرأة، لأول مرة، على رأس الحكومة المغربية يحمل دلالة رمزية كبيرة، لكن الرهان الحقيقي يتجاوز جنس من يتولى المنصب إلى طبيعة الثقافة السياسية التي سيحملها معه، وإلى الكيفية التي سيمارس بها السلطة. وهنا نستعيد أحد أهم دروس النقد الثقافي. فتغيير الوجوه لا يعني بالضرورة تغيير الأنساق. قد تكون المرأة ضحية للنسق الذكوري، ثم تصل إلى موقع القوة فتجد نفسها، بوعي أو من دونه، تعيد إنتاج بعض قيمه وآلياته.
لذلك نرجو أن تقدم فاطمة الزهراء المنصوري نموذجا مختلفا في ممارسة السلطة، وأن تكون، إن جاز التشبيه، أنجيلا ميركل المغرب، قيادة تجمع بين الحزم والاتزان، وبين قوة القرار والهدوء، دون حاجة إلى استنساخ نموذج “المرأة الحديدية”. فالرهان في النهاية ليس أن تصل المرأة إلى السلطة فحسب، بل أن يكون وصولها فرصة لتغيير شيء من ثقافة السلطة نفسها.

