بقلم : محمد غفغوف
بالأمس، وقبل أن تجف حبر نتائج الانتخابات، وقبل أن تستقر ملامح الأغلبية الحكومية الجديدة، كان بعض أبناء الدار أكثر استعجالاً من الجميع في إصدار الأحكام وتوزيع الاتهامات.
لم يتركوا تهمة إلا وألصقوها بالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وكاتبه الأول إدريس لشكر. قالوا إن الرجل جاء إلى المفاوضات من أجل حقيبة وزارية، وتحدثوا عن توريث المناصب للأبناء، ونسجوا روايات كاملة حول ما سيحصل، وكأنهم كانوا يتوفرون على نسخة مسبقة من التشكيلة الحكومية.
شحذوا سكاكينهم قبل الانتخابات، وأشهروا بعضها بعدها، ثم ظلوا ينتظرون لحظة إعلان الحكومة حتى يثبتوا رواياتهم.
لكن الحكومة أُعلنت.
والمفارقة التي لا تحتاج إلى كثير من التأويل أن إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، لم يتولَّ أي حقيبة وزارية ضمن التشكيلة الحكومية الجديدة.
هنا، تحديداً، يصبح السؤال مشروعاً:
أين اختفى أصحاب تلك الاتهامات؟
أين ذهبت تلك اليقينيات التي كانوا يقدمونها للرأي العام وكأنها حقائق نهائية؟
أين اختفت قصة الحقيبة الوزارية التي قيل إن لشكر كان يسعى إليها لنفسه؟
وأين هي رواية “التوريث” التي استُعملت كسلاح سياسي وأخلاقي في مواجهة الرجل والحزب؟
هل سنسمع اليوم كلمة واحدة لتصحيح الصورة؟
هل سيخرج أصحاب تلك الروايات ليقولوا ببساطة: لقد أخطأنا في التقدير؟
لا أحد يطلب من أحد أن يتحول إلى مدافع عن إدريس لشكر، ولا أن يمنح الاتحاد الاشتراكي شيكاً على بياض. النقد حق، بل هو ضرورة داخل الأحزاب وخارجها.
لكن النقد شيء، وتحويل الافتراضات إلى حقائق شيء آخر.
والأغرب أن بعض الذين كانوا بالأمس يرفعون سقف الاتهام ضد قيادة الاتحاد، هم أنفسهم الذين يفترض فيهم أن يعرفوا أن السياسة لا تُدار بالشائعات، وأن التفاوض الحكومي لا يمكن اختزاله في سؤال: من سيحصل على ماذا؟
المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي نفسه فوّض للكاتب الأول تدبير المفاوضات بشأن المشاركة الحكومية، على أساس الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز.
وقد كان من الطبيعي أن يكون لشكر في قلب هذه المفاوضات باعتباره الكاتب الأول للحزب، مثلما كان طبيعياً أن تتولى قيادات حزبية أخرى التفاوض باسم أحزابها.
لكن، عندما جاءت لحظة الحقيقة، اتضح أن الرجل لم يجعل لنفسه مقعداً في الحكومة.
وهنا لا يتعلق الأمر بالدفاع عن شخص بقدر ما يتعلق بالدفاع عن الوقائع في مواجهة الروايات.
أما “بني القبيلة”، أولئك الذين شحذوا سكاكينهم ضد الرجل قبل الانتخابات وبعدها وخلال مفاوضات تشكيل الحكومة، فليس المطلوب منهم أكثر من شيء بسيط:
أن يتعاملوا مع السياسة بأخلاق السياسة.
إذا كان لديهم نقد، فليقدموه.
إذا كانت لديهم ملاحظات تنظيمية، فليطرحواها.
إذا اختلفوا مع خيارات القيادة، فليقولوا ذلك بوضوح.
أما أن تتحول الخلافات إلى تصفية حسابات، وأن تصبح النوايا المفترضة حقائق، وأن يُدان الرجل قبل أن تظهر الوقائع، فذلك لا يخدم لا الاتحاد ولا مناضليه ولا الحياة السياسية.
واليوم، بعد الإعلان الرسمي عن الحكومة، لم يعد السؤال فقط: ماذا حصل عليه الاتحاد الاشتراكي؟
بل هناك سؤال آخر، وربما أكثر إلحاحاً:
ماذا حصل للروايات التي قيلت عن إدريس لشكر؟
لقد سقطت واحدة على الأقل أمام أول امتحان للوقائع.
فهل يمتلك أصحابها شجاعة العودة إلى كلامهم؟
أم أن سهام النقد لا تكون دقيقة إلا عندما تُصوَّب نحو الاتحاد الاشتراكي وإدريس لشكر؟
أين أنتم؟
ليس المطلوب اعتذاراً جماعياً، ولا مبايعة للرجل.
المطلوب فقط أن تكون السياسة سياسة، وأن يكون الاختلاف اختلافاً، وأن تبقى الحقيقة أقوى من السكين التي شُحذت ضدها طويلاً.

