تطوان : المغرب360
بقلم : د. أحمد درداري رئيس المركز الدولي لرصد الأزمات واستشراف السياسات العمومية
منذ تأسيس هيئة الامم المتحدة، تمكنت الدول الكبرى من إعطاء لنفسها حق (الفيتو) الاعتراض على اي مشروع في مجلس الأمن، وذلك بناء على نتائج الحرب العالمية الثانية، ودون أي احترام لمبدأ المساواة بين الدول أو الاعتماد على معايير موضوعية، فتكون بذلك قد كرست قاعدة ظلم سياسي تحت قبة هيئة الامم المتحدة، والغاية تكمن في تقسيم الدول عبر التلاعب بشعار حق تقرير المصير. والتحكم في مصالح الدول والتصرف في شؤونها الداخلية بطريقة ناعمة، مما دفع ماوتسي تونغ يعبر عن الوضعية بمقولة بالغة الدقة كما يلي: “تعانقت الفيلة أم تصارعت، فما مصير العشب إلا ان يدس”، بمغنى تصالحت دول الفيتو ام تصارعت فما مصير الشعوب إلا أن تدس.
فالكبار يظهرون أنهم يتصارعون لكنهم فقط يقتسمون الريع الأممي، ويدفعون بقية الدول إلى الاستنجاد بها، وعرض مشاكلها عليها، علما انها هي من تصنعها، والإعلان عن التبعية لها، والاصطفاف في طوابير من أجل تقديم طلبات الحماية والتقرب منها واظهار حسن النية تجاهها، واصبحت معها مواقف الدول لا تعني شيء بالنسبة لدول الاعتراض.
فمثلا الاتحاد السوفياتي، الذي كان يرفع شعار حق الشعوب في تقرير مصيرها، لم يكن مستعدا دائما للاعتراف بهذا الحق عندما يتعلق الأمر بشعوب تقع داخل دائرة نفوذه أو تعتبرها موسكو جزءا من مجالها الاستراتيجي.
فقد كان التحجج الجاهز في كثير من الأحيان هو أن الحركات المطالبة بالاستقلال أو التغيير تخدم الإمبريالية الغربية، وأنها تهدد النظام الاشتراكي العالمي، وهو خطاب استعمل لشرعنة التدخل في الشؤون الداخلية للدول وقمع المطالب الوطنية.
فكيف يمكن لدولة ترفع شعار التحرر الوطني وحق الشعوب في تقرير مصيرها أن تساند تقسيم أرض فلسطين، وتدعم قيام دولة على حساب شعب يعيش فوق أرضه، ثم تتحول لاحقا إلى أحد الأطراف التي تناور في ملفات المنطقة وفق حسابات الحرب الباردة ومصالح النفوذ؟
والغريب في الأمر هو دفع الدول التي تعاني من الصراعات المفتعلة نتيجة لصراع ايديولوجي بين الكبار هو تشتيت اقلام المفكرين والنخب بين مؤيد ومعارض، وبين من يواكب الأوضاع ومن يبحث في مبررات دفع دول الفيتو إلى التدخل في شؤون بقية الدول، وصولا إلى التيه الدولي الذي حاصر تطور الدول والشعوب، وأبقاها خارج النهضة الحقيقية، لذا فان خيارات بعض الدول للدفاع عن نفسها، والاتجاه نحو تطوير الصناعة العسكرية النووية يبقى احد الخيارات التي يمكنها تحقيق الردع، وحماية الأوطان، وكسب حق التفاوض الدولي حول القضايا المصيرية.
ان الوضع الدولي الحالي يمكن ان يستنسخ نموذج كوريا الشمالية كخيار استراتيجي للتموقع بين الكبار. كما يبقى الوضع الدولي الحالي المضطرب مفتوح على حروب وصدامات لن يكون احد بمنأى عنها.
فاذا كان موضوع الصراع هو السيادة الترابية، فان سيادة المغرب على ترابه طبقا لهذا المفهوم المعاصر تعود إلى تاريخ اعتراف المملكة المغربية باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية 1778، وبالنسبة لروسيا القيصرية فان السيادة المغربية تعود لخمس قرون جمعت السلطان المغربي بالقيصر الروسي حول اتفاقيات عديدة، مما يفرض على روسيا اليوم ان لا تتخطى السيادة المغربية التي تعود لفترة القيصر الروسي.
وبالنسبة للصين الشعبية فان المملكة المغربية هي من أدخلتها إلى الامم المتحدة، وتعلم جيدا عراقة المملكة المغربية.
وبالنسبة لفرنسا فان الروابط التاريخية المعاصرة تنطلق من ثورة 1789 التي قطعت مع تاريخ الملوك الفرنسيين، وتأسست علاقات جديدة مع المغرب رغم الأرشيف الدبلوماسي المغربي الذي يثبت سيادة المغرب على عهد المملكة الفرنسية قبل الجمهورية الحالية.
اما ابريطانيا فالعلاقات بين المملكتين تحددها كثير من الوثائق والمحطات التاريخية المهمة، وبين البلدين احترام ضارب في التاريخ، بل ان ابريطانيا خرجت من الملكية في مرحلة تاريخية ثم عادت إليها بينما ظل المغرب شامخا بملكيته إلى الآن، والمؤامرة الحقيقية تتمثل في إبعاده من قائمة الكبار وقد كان له الفضل في كثير من الاكتشافات و الانجازات وما يزال رغم كيد الاعداء.

