فاس : محمد غفغوف
لطالما كانت مدينة فاس حاضنة للعديد من الشخصيات التي ساهمت في تغيير مجرى التاريخ الثقافي والاجتماعي للمدينة، لكن هناك أسماء تميزت بإصرارها على خدمة قضايا المجتمع المدني بشكل مستمر ودائم. ومن بين هذه الشخصيات التي تستحق أن تُذكر وتُكرم، يبرز اسم خالد أخسي، الذي ظل طيلة أكثر من ثلاثة عقود يشعل شمعة الأمل في قلوب الأطفال والشباب، خاصة اليافعين المنقطعين عن الدراسة.
خالد أخسي، رئيس جمعية الجزيرة الخضراء، هو واحد من الأبطال المجهولين الذين أنفقوا حياتهم في خدمة قضايا الطفولة والشباب. منذ تأسيس الجمعية، كانت رؤيته واضحة ومحددة، تتمثل في تقديم الدعم النفسي والاجتماعي والتعليم للمحتاجين، لا سيما اليافعين الذين غابوا عن المدرسة وأضاعوا فرصهم في الحياة، حيث كان ولازال يردد أن “الشباب هم عماد المستقبل، وإذا لم نمنحهم الفرصة للتعلم والنمو، فإننا نغلق أمامهم أبواب الأمل”.

ومن خلال جمعيته المرجعية “الجزيرة الخضراء”، التي أسسها خالد أخسي، استمر في تقديم برامج مبتكرة تهدف إلى إعادة إدماج اليافعين في المجتمع، وتحفيزهم على العودة إلى مقاعد الدراسة أو الالتحاق بالتكوين المهني، فالجمعية التي تأسست على قيم التضامن والمساواة والعدالة الاجتماعية، أصبحت رمزًا للالتزام المدني الجاد في مدينة فاس.
قد تكون الجزيرة الخضراء قد بدأت بحجم صغير، لكنها تحولت بفضل الجهود المتواصلة لخالد أخسي وفريقه إلى مؤسسة مرجعية في مجال العمل الجمعوي، إلى فضاء يحتضن المئات من الأطفال والشباب الذين يعانون من مشاكل اجتماعية واقتصادية، من خلال برامج لا تقتصر على الجانب التعليمي فقط، بل تشمل أيضًا ورشات تدريبية وحلقات توعية، تهدف إلى تمكين الشباب من المهارات الحياتية اللازمة لتحقيق النجاح في مستقبلهم.

لا يقتصر دور خالد أخسي على جمعية الجزيرة الخضراء فقط، بل هو دائمًا داعم قوي لكل الأعمال والبرامج الجمعوية الهادفة في مدينة فاس، حيث يضع يده في يد أي مبادرة تسعى إلى خدمة المجتمع، بغض النظر عن حجمها أو طابعها، كما يؤمن أن التعاون بين الجمعيات هو السبيل لبناء مجتمع قوي ومتلاحم، بحيث بصماته واضحة في العديد من المشاريع التي ساعد في إنجاحها، سواء كانت ثقافية، اجتماعية أو رياضية.
ما يميز خالد أخسي عن غيره هو إنسانيته الكبيرة، فهو لا يتعامل مع قضايا الشباب والطفولة بمنظور تقني فقط، بل يضع دائمًا الإنسان في قلب كل مشروع، وكل مبادراته دائمًا تركز على استعادة الكرامة للمهمشين ومنحهم الفرصة لبداية جديدة، وهو ما جعل منه رمزًا حقيقيًا للتفاعل المدني الجاد والمستدام.
وختامًا، فإن خالد أخسي هو المثال الحي لما يجب أن يكون عليه العمل المدني، فبإيمانه العميق بقوة الشباب وطاقاتهم، وبشغفه بخدمة الطفولة، استطاع أن يترك بصمة واضحة في قلب مدينة فاس، وهو ذلك الشخص الذي وهب حياته من أجل تغيير حياة الآخرين، وعمل بإصرار لتحقيق التغيير الاجتماعي من خلال عمله الجمعوي الذي ما زال يؤثر في الكثير من الشباب اليوم.

