كتب : محمد غفغوف
إذا كان لكل أمة بطلها الخارق، فإن المغرب لديه بطل لا يُهزم ولا يشيخ ولا يموت: “سوف”، كلمة سحرية يتقنها السياسي المغربي بمهارة، يستخدمها لتخدير العقول، وتبرير الفشل، وبيع الأوهام بأرخص الأثمان.
منذ عقود، و”سوف” تتجول في خطابات المسؤولين، تسبق كل وعد، وتمهّد لكل كذبة، وتنهي كل نقاش، سوف نبني المستشفيات، سوف نُصلح التعليم، سوف نُحارب الفساد، سوف نُوفر فرص الشغل، سوف.. سوف.. سوف! حتى بات المواطن المغربي يشعر أن هذه الكلمة لم تُخلق للغة العربية فقط، بل خُلقت خصيصًا للسياسة المغربية، لتكون الفاصل بين الحقيقة والخيال، بين الواقع والأوهام.
السياسي المغربي ليس مجرد شخص يتقلد منصبًا، بل هو فنان محترف في هندسة الكلام، ومهندس عبقري في بناء الجمل التي لا تعني شيئًا في الواقع، وعندما يُسأل عن سبب تأخر المشاريع، أو تفاقم الأزمات، أو فشل الخطط، يكون لديه دائمًا جيش من الأعذار، يتقدمهم الجنرال الخالد: “سوف”.
سيدي الوزير، ماذا عن إصلاح قطاع الصحة؟
“سوف نقوم بتعميم التغطية الصحية وتحسين الخدمات…”
(والنتيجة: مواطنون يموتون في قاعات الانتظار، وأطباء يفرون للخارج بحثًا عن كرامة مهنية)
وماذا عن أزمة البطالة؟
“سوف نطلق برامج كبرى لخلق فرص شغل للشباب…”
(والنتيجة: شباب يركبون “سوف” ويهاجرون عبر قوارب الموت)
وبخصوص التعليم؟
“سوف نُصلح المناهج، ونُحسن أوضاع الأساتذة…”
(والنتيجة: مدارس بلا مقاعد، وأساتذة في الشارع يطالبون بحقوقهم)
الشيء المثير للدهشة أن “سوف” لا تموت، بل تتطور عبر الزمن. أحيانًا تتحول إلى “قريبًا”، وأحيانًا إلى “نحن بصدد”، وأحيانًا إلى “لقد بدأنا”، لكن المغزى واحد: إلهاء المواطن، وإطالة عمر الوهم.
كم من مسؤول وعد بمشاريع لم ترَ النور حتى بعد انتهاء ولايته؟ كم من حزب رفع شعارات براقة، ثم دخل الحكومة ونسي كل شيء؟ كم من مواطن صدّق “سوف”، وانتظر عقودًا، ليجد نفسه يورث الانتظار لأبنائه؟
ما الحل؟ هل نشنق “سوف”؟ : الحل ليس في شنق “سوف”، فهي مجرد كلمة، بل في فضح من يستخدمها كأداة للخداع. المواطن المغربي لم يعد ساذجًا، فقد خبر الوعود الكاذبة، وملّ من الخطابات الفارغة، وأدرك أن التغيير لا يأتي من أفواه السياسيين، بل من وعيه وقدرته على محاسبتهم.
لقد آن الأوان لكسر هذه الدوامة، لإجبار السياسيين على الحديث بلغة الأفعال بدل لغة التنويم، فإذا جاءك مسؤول وقال لك: “سوف نفعل”، اسأله فورًا: ومتى؟ وكيف؟ وما الضمانات؟ لا تمنحه فرصة للهروب، ولا تسمح له بأن يجعل “سوف” تسرق سنوات أخرى من عمرك.
لعلنا في يوم من الأيام نعيش في بلد يتحدث مسؤولوه بلغة “لقد فعلنا” بدل لغة “سوف نفعل”… لكن، حتى ذلك الحين، يبدو أننا سنظل نعيش في انتظار بطل السياسة المغربية الخالد: “سوف”!

