بقلم : محمد غفغوف
في مدينة فاس، كما في مدن أخرى، يفترض أن يكون العمل الجمعوي تجسيدًا لنبل المبادرة المدنية، وعنوانًا للتطوع الصادق في خدمة قضايا المجتمع. لكنه، وللأسف، أصبح في كثير من الأحيان مجرّد أداة في يد تجّار الانتخابات، الذين عجزوا عن بناء تنظيمات حزبية حقيقية، فلجأوا إلى تسخير العمل الجمعوي ليكون ذراعهم الخفيّ في استمالة الناخبين وضمان قواعد انتخابية موسمية.
ما نشهده اليوم ليس دعماً للعمل المدني، بل اغتصابًا فجًّا له تُفتح “جمعيات” في كل زقاق، وتُطلق مبادرات تحت لافتات اجتماعية، بينما حقيقتها لا تتجاوز كونها تجمعات انتخابية مقنّعة يتم فيها توزيع قفف رمضان بميزانيات الأحزاب بدل أن تُصرف على تأطير الشباب، وتُستغل أنشطة ثقافية ورياضية كمنصات للدعاية لأشخاص بلا رؤية ولا مشروع، سوى حلم الوصول إلى المناصب بأي وسيلة.
الأحزاب التي كانت يومًا مدارس سياسية، صارت هياكل فارغة، تتحرّك فقط عند اقتراب الاستحقاقات، ولم تعد تمتلك خطابًا سياسيًا قادرًا على إقناع الناس، لأن من يقودها ليسوا سوى وسطاء انتخابيين، تحوّلوا إلى “مقاولين” في بورصة الأصوات، لذلك وجدوا في الجمعيات ملاذًا آمنًا، يختبئون خلفها ليقوموا بما عجزوا عن تحقيقه داخل مقراتهم الحزبية.
لكن، هل يستمر هذا العبث إلى الأبد؟ بالتأكيد لا فالوعي الجمعي يتنامى، والمواطنون صاروا أكثر قدرة على تمييز الفرق بين العمل التطوعي الحقيقي والعمل الموسمي الموجّه لأغراض انتخابية أما الأحزاب التي تستغل الجمعيات لتعويض فشلها، فهي فقط تؤجل سقوطها الحتمي لأن السياسة التي لا تُبنى على القناعات والمشاريع، بل على الاستغلال والانتهازية، لا يمكنها أن تدوم طويلًا.
فلنحذر جميعًا من هذا التلاعب، ولنحمِ العمل الجمعوي من أيادي السماسرة السياسيين، فالمجتمع المدني النظيف، هو آخر حصن يمكن أن يحمي ما تبقى من الأمل في مدينةٍ تستحقُّ أكثر من تجار الانتخابات.

