بقلم : محمد غفغوف
في مدينة تُعرف بالعاصمة العلمية والروحية للمملكة، يبدو مؤلمًا أن نجد بين من يمثلون المواطنين من لا تربطه بالثقافة إلا الصور البروتوكولية، ولا بالكتاب إلا ما يراه معروضًا في المناسبات الرسمية، ولا بالرياضة إلا نتائج المباريات حين تفرض نفسها على عناوين الأخبار.
فاس ليست مدينة عادية. إنها مدينة صنعت العلماء والمفكرين والأدباء والفنانين، واحتضنت أعرق المؤسسات العلمية، وصدّرت إلى المغرب والعالم أسماء خلدها التاريخ. لذلك فإن من يتقدم لتمثيل ساكنتها يجب أن يكون في مستوى هذا الإرث، وأن يدرك أن الثقافة ليست زينة خطابية، بل رافعة للتنمية والوعي والهوية.
كيف يمكن لنائب برلماني أن يدّعي تمثيل فاس وهو لا يُسمع له صوت دفاعًا عن المكتبات ودور الثقافة والمسارح والفضاءات الإبداعية؟ وكيف يطلب ثقة الشباب وهو لا يلتفت إلى الملاعب والقاعات الرياضية ومراكز التكوين والتأطير؟ وكيف يتحدث عن المستقبل وهو غائب عن قضايا الطفولة والشباب، وكأنها ملفات هامشية لا تستحق الاهتمام؟
الأخطر من ذلك أن بعض المنتخبين لا يظهرون إلا في مواسم الانتخابات أو عند التقاط الصور، بينما تظل ملفات الثقافة والرياضة والشباب حبيسة الإهمال والنسيان. فلا مبادرات تشريعية نوعية، ولا ترافع جاد، ولا حضور فعلي في المعارك التنموية التي تهم هذه القطاعات.
إن المدينة التي أنجبت العلماء لا يمكن أن تقبل بأميّة ثقافية لدى من يمثلها. والمدينة التي كانت منارة للفكر لا يليق بها أن يصادر صوتها أشخاص لا يؤمنون بقيمة المعرفة والإبداع. والمدينة التي تعج بطاقات شبابية ورياضية هائلة لا تستحق ممثلين يكتفون بمشاهدة الفرص وهي تضيع عامًا بعد عام.
لقد آن الأوان لأن يرتفع منسوب الوعي الانتخابي، وأن يصبح السؤال الأساسي: ماذا قدم هذا البرلماني للثقافة؟ ماذا دافع به عن الرياضة؟ ماذا فعل من أجل الشباب والطفولة؟ وأين كان صوته حين كانت هذه القطاعات تحتاج إلى من يحمل قضاياها تحت قبة البرلمان وفي مختلف المؤسسات؟
فاس لا تحتاج إلى نواب يملؤون المقاعد، بل إلى رجال ونساء يحملون مشروعًا ورؤية ورسالة. تحتاج إلى ممثلين يعرفون أن الكتاب لا يقل أهمية عن الطريق، وأن المسرح لا يقل قيمة عن الإسمنت، وأن ملعب القرب ومركز الشباب هما استثمار في أمن المجتمع ومستقبله.
أما الذين اختاروا الصمت تجاه هذه القضايا، أو اعتبروها مجرد تفاصيل ثانوية، فعليهم أن يدركوا أن ذاكرة المدن لا ترحم، وأن فاس التي تحفظ أسماء من خدموها، تحفظ أيضًا أسماء من خذلوها. فالتمثيلية الحقيقية ليست لقبًا انتخابيًا، بل مسؤولية تاريخية أمام مدينة أكبر من الأشخاص وأبقى من المناصب.

