بقلم : محمد غفغوف
في مدينة فاس، التي كانت يوماً رمزاً للحضارة والفكر، صار العمل الجمعوي فيها، مجرد امتداد لحملات انتخابية رخيصة، تُوزع فيها قفف رمضان كأنها تذاكر انتخابية، وتقام حفلات الختان والحناء لإلهاء العقول عن واقعها القاسي. هؤلاء الذين يكرهون المشاريع الثقافية ويفضلون إبقاء المجتمع في حالة تبعية دائمة، ليسوا سوى فيروسات سياسية تتكاثر في مستنقعات الفقر والتجهيل، يوزعون الفتات ليضمنوا ولاءً مؤقتاً، ثم يختفون حتى يحين موسم “الحصاد” الجديد.
لقد تحوّل العمل الجمعوي بالعاصمة العلمية، الذي كان من المفترض أن يكون رافعة للتنمية، إلى مجرد أداة للابتزاز العاطفي. فبدلاً من خلق مبادرات تعليمية، تكوينات مهنية، فضاءات للنقاش الحر، ومشاريع شبابية تنهض بالمدينة وساكنتها، يُفضل هؤلاء “المنتخبون” الاستثمار في الجهل، لأنه بالنسبة لهم، كل عقل مستنير هو صوت ضائع في صناديق الاقتراع.
فالمجتمع الذي يعتاد تلقي الإحسان بدل أن يتعلم كيف يصنع مصيره، يظل رهينة لأصحاب المصالح، الذين يحرصون على أن يبقى وعيه في مستوى الاحتياج لا في مستوى الإبداع، ولهذا، لا غرابة أن نجد في كل حي جمعيات لا تتقن سوى تنظيم حفلات الترفيه العابر، وتنتعش في أوقات الأزمات، بينما تغيب تماماً عندما يتعلق الأمر بمبادرات حقيقية قد تغيّر حياة الناس.
إن المعركة اليوم ليست ضد الفقر فقط، بل ضد العقلية التي تريد أن تجعله قدراً أبدياً إنها معركة لاستعادة روح الفعل الجمعوي الحقيقي، القائم على التمكين لا على التسكين، على نشر الوعي لا على استدامة الجهل، وعلى بناء أجيال قادرة على المطالبة بحقوقها لا الاكتفاء بالتصفيق لمن يمنحها صدقات مغلفة بالشعارات.
وعلى الشباب والفاعلين الحقيقيين أن يرفضوا هذا الوضع المهين، أن يفرضوا مشاريع ثقافية رغم أنف الكارهين، أن يخلقوا مبادرات خارج حسابات السياسة القذرة، وأن يعيدوا للعمل الجمعوي مكانته كمحرّك للتغيير، لا كأداة لتخدير العقول، فالتنمية الحقيقية لا تبنى بالقفف، بل بالوعي، وهذا ما يخشاه أعداء التغيير.

