بقلم : محمد غفغوف
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، تعود الحياة فجأة إلى الأحزاب التقليدية، خاصة تلك التي وُلدت في أحضان الإدارة، فتسارع إلى تنظيم مؤتمراتها الوطنية والمحلية والجهوية، وتجدد هياكلها التنظيمية، وكأنها تستيقظ من سبات طويل، تبدأ في الحديث عن الشباب والمرأة، وتتحول بقدرة قادر إلى جمعيات خيرية، توزع الوعود كما توزع القفف، غير أن المواطن لم يعد ساذجًا كما كان، فقد فَقِه اللعبة، وعرف أن هذه التحركات ليست إلا مسرحية مكررة تنتهي بإغلاق الستار بمجرد انتهاء الاقتراع.
في الماضي، كانت هذه الأحزاب تتباهى بـ “المناضلين”، أي القواعد الشعبية التي تؤمن بمشروعها السياسي وتدافع عنه، اليوم، لم تعد هذه القواعد موجودة، بعدما اختارت فئات واسعة من المواطنين العزوف عن العمل الحزبي، إدراكًا منها أن هذه التنظيمات لا تمثلها ولا تعبر عن طموحاتها، وبدل أن تحاول الأحزاب استعادة ثقة الناس عبر سياسات حقيقية، تلجأ إلى “الإنزالات”، حيث يتم حشد المشاركين في مؤتمراتها عبر وسائل لا تمتّ للديمقراطية الداخلية بصلة، فيتحول المشهد إلى استعراض عددي فارغ، لا يعبّر عن قناعة أو انخراط حقيقي.
ولا تكاد تجد أثرًا لهذه الأحزاب بين استحقاق انتخابي وآخر، فهي غائبة عن قضايا المواطن، بعيدة عن همومه اليومية، لا تدافع عن مصالحه، ولا تساهم في تأطيره، بل تكتفي بتنشيط مقراتها كل خمس سنوات، لتعيد نفس الأسطوانة المشروخة: “سندافع عن مصالحكم”، “سنخلق فرص الشغل”، “سنُصلح التعليم والصحة”، والمفارقة أن هؤلاء القادة أنفسهم هم الذين يديرون الشأن العام، ومع ذلك لا يتحملون مسؤولية الفشل، بل يعِدون بالإصلاح وكأنهم غرباء عن المشهد السياسي.
فالوعي الشعبي بحقيقة اللعبة السياسية لم يعد مجرد شعور عام، بل أصبح واقعًا ملموسًا يتجلى في ارتفاع نسب العزوف عن الانتخابات، وفي ازدياد الشكوك حول جدوى العملية السياسية برمتها، فالمواطن لم يعد يثق في الوعود الجوفاء، ولا في الخطابات الرنانة، ولم يعد يقبل أن يُستخدم كأداة انتخابية ليُرمى بعد ذلك إلى الهامش.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل سيُترجم هذا الوعي إلى تغيير حقيقي؟ أم أن العزوف عن المشاركة سيبقى هو الخيار الوحيد أمام المواطنين؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تبقى مفتوحة، لكنها ترتبط أساسًا بمدى قدرة القوى الحية على تقديم بدائل حقيقية، تقطع مع ممارسات الماضي وتعيد الثقة في العمل السياسي كأداة للتغيير، وليس مجرد موسم لحصد الأصوات.

